الخميس، 21 يوليو 2011

جسد

من على متن سرير استقر بغرفةٍ اكتظت بأربعةٍ من الأسرةِ الهرمةِ غيره؛ أسرةٍ ضاقت بغرفة كئيبةٍ بألوانها الباهتةِ وأثاثها الباعثِ على الأسى, من على متن ذلك السرير جلست هناك لتزيد أو لعلها كانت سبب موجة الحزن التي وما أن تطأُ قدماك الغرفة حتى تهاجمك وتجتاحك لتزلزل كيانك.
واجمةٌ بعيونٍ خائرةٍ لا تقول الكثير, ولكن الكثير مما عانت انعكس على ملامحِ وجهها الدقيقة, فترى فيما ترى .. أعاصير هَدمت ورياحٌ اقتلعت روح تلك الروح البائسة الساكنةِ في جسد تلك الفتاة التي عذراء كانت.
أربعة كانوا .... وما إن دخلوا البيت حتى عاثوا به فساداً؛ وبسُكانه انتقاماً؛ ومنها هي فتاتنا إرتواءاً, وبين كلماتٍ كثيرةٍ اخترقت سمعها وأصوات صراخ عقيمة اقتلعت قلبها كانت هي هناك وسط بيتٍ كان بيتاً ,كانت هناك جزءٌ من الحدث تُصارعُ أربعةً من الكتائب وتنال نصيبها منهم، كتائب الأمن أو هكذا سُميت ولكن شتان شتان بين الأمن وسلب الأمان.
على وقعِ هذه الذكرى التي تتجسدُ أمامها في كل حين وحين بقيت هناك واجمةٌ خائرةُ القوى وقد تَوَسَم جسدها بآثار أربعةٍ كانوا يتصارعون عليها: أيُهم يروي ظمأهُ أولاً, أيُهم يكسر روحها أولاً.
عجوزٌ تنتحب وقد غطت دماءٌ سالت واختلطت بدموع لا تزال تسيل؛ غطت ملامح وجهها الثمانيني إلا أن تلك المُمددةِ وسط غرفةٍ تعمُها الفوضى والدمار, تلك المُمددة التي لا يستر جسدها إلا كدماتٍ لونت بشرتها بجميع ألوان الطيف القاتمة استطاعت أن ترى وجه عجوزها تلك, لا بل استطاعت أن تُميز كلمةً ارتسمت على صفحة وجهها ... العار ... العار .. العاااااااااااار.
قاطعت ذكرتُها تلك فتاةٌ ربما كانت بمثل عُمرها؛ اقتربت منها وألقت على مسامعها تحيةً ما ... واستها بكلماتٍ ما ... قدمت لها هديةً ما .... ثم اخيراً لوحت بيدها اليُمنى وغادرتها إلى مكان ما.
أصواتُ أسلحةٍ ومدافع؛ رصاصٍ ربما كان وقنابل؛ صراخ أمهات كعجوزها واستغاثاتُ فتياتٍ مكلوماتٍ كحالها, هنا وهناك .... خراااااااب؛ وخراب هو كل ما هنالك؛ وعذراءُ صارعت أربعةً من الكتائب ومن على متن سريرها ذاك تُصارع ما حُفر في ذاكرتها من أحداثٍ مؤلمةٍ, على يمينها فتاةٌ مثلها ؛ وعلى يسارهما فتاةٌ أخرى مثلهما .... عذراء كانت ولكنه في يوم ما ... من شهر ما ... امتلئت الأجواء برائحة الرصاص والحقارة؛ وكان أربعةً من كتيبة ما .... تحت إمرةِ عقيدٍ ما ... استباح جسد وطن ما ... أربعةً عبثوا بجسدِ فتاةٍ ما لا يقودهم شيئٌ إلا غريزة الحيوان؛ ولا يوقفهم شيئٌ حتى ذكر الرحمن.
ضاقت بها ... فتاتنا ... تلك الغرفة ذات الألوان الباهتةِ والأثاث البائس؛ فاقتربت الجدران الأربعة منها كثيراً ؛ ودنا السقف من رأسها أكثر, فلم تملك إلا الصراخ والصراخ أكثر ..... صرخت حتى اختفى صوتها.... تزاحم عليها هذه المرة أيضاً أربعة يتشحون بالبياض, أحدهم أمسك بذراعيها والآخر طوق خصرها, ثالثٌ تمكن من رجليها أما الرابع فغرز إبرةً مهدئةً في وريد يدها اليمنى ........
ارتخى الجسد الملون بألوان الطيف القاتمة واستسلمت العيون الخائرة الباكية , إلا أن أربعة من الكتائب لا يزالون هناك في مكان ما يتصارعون, أربعةً في صورة انسان ولكنهم أقرب في سلوكهم إلى الحيوان ويتعففُ من فعلهم الشيطان, أربعة يتصارعون على فتياتٍ أُخر مثلنا .... فتيات عذارى ما يزلن.



السبت، 9 يوليو 2011

حبيبتي مصراته



هناك أنت ... بين رصاصِ الأسلحةِ وبين صرخاتِ الأطفال واستغاثات النساء ؛ بين آهات الرجال المكبوتة وبين دعوات العجائز المسموعة اللحوحة .... هناك أنت، ولا ادري إن  كنت تتنسم هواء حرية تدفق مع نسائم شهر فبراير .. أو لعلك تكون ممن تقلد المجد وارتاح هناك تحت الثرى .
غريب كيف تتبدل أهوائنا وتتغير أمزجتنا وتميل قلوبنا تارة هنا ... ودهراً هناك، هناك حيث لا شيء عدا الموت المندس بين أزقة الطرق المهجورة التي فاضت برصاصات انهمرت على أولئك المُتجمهرون الغاضبون رافعي رايات الحرية بألوانها الثلاث؛ حمراء... سوداء... خضراء.....
هناك أنت، حيث تبدل الزمان وتغيرت كل ملامح المكان ... هناك تهدم بيت لنا ... بيت لم ترتفع أسواره إلا في مخيلتنا أنا ... وهو... وسط حجرة نوم أطفالنا التي زيناها بألعاب تبعثرت هنا وهناك ووسط زحام الأَسِرة الكثيرة .. أَسِرةِ صغارنا الذين أرَدتهم كُثر... أطفال كُثر، هناك تحطم بيتنا وقُتلت قططي الجميلة ... تلك التي كانت سبب خلافنا الجميل وصُلحنا الأجمل تحت ظل تلك الشجرة التي لطالما ارتوت حتى الثمالة من عذب ماء حبنا الذي اخضرت به ارض حديقتنا الصغيرة .. هناك هدموا بيتنا فوق رؤوسنا لا لشيء إلا لأنه حمل راية الحرية  تلك  بألوانها  الثلاث: حمراء ... سوداء .... خضراء، تلك التي علقناها هناك أنا وأنت على احد أسواره ... هناك أنت.
تقطعت بي السُبل هنا في مدينة كانت شرارة نار استعرت فأكلت اخضراً لطالما استبد فطغى؛ هنا أنا في بنغازي ... وهناك انت بمصراته الرائعة الصامدة ، آه لكم تبدو المسافات طويلة .. وآه كم تمر الأيام ثقيلة .. وآه من القلق إذا استبد ومن الشوق إذا اشتد.
بي حاجة للبكاء ... عيناي تحتقنان بدموع حارقة، وعلى صفحة وجهي المُتخم بالحزن ارتسمت ملامح وجهك الذي أرى أن الشوق والحزن معاً فعلا به الأفاعيل فلم أجد لي بُداً من أن أطلق العنان لدموعي .. فإذا بها تزيد من سعير نار مُتقدة تلتهم قلبي المتعب من الانتظار ... فأين أنت؟
اكتب إليك بعد ان تقطعت كل وسائل الإتصال بيننا فلم يبقى لي إلا ورق وأقلام تجر أحرف الشوق ورائها متعبة, ينوءها الحمل ولكنها لأجلي تفعل ذلك بكل سرور وحبور، اكتب إليك وأنا أعلم أن ما من سبيل لكي تصل كلماتي هذه إليك ولكني وعلى كل حال سأكتب ربما لأني متأملة وأيضا متمنية أن تُطفئ هذه الكلمات أو أقلها أن تُخفف من سعير نار تضطرم بداخلي وتأكل أحشائي كلما جال برأسي أنك هناك بين الرصاص والقنابل ... بين الموت والعدم ؛نار مُتقدة تلتهم قلبي المتعب من الانتظار.
فليتوقف الرصاص ساعات فقط، ولترجع حياتنا لسابق عهدها حتى ولو لدقائق فقط لا لشيء إلا لكي أتمكن من الاتصال بك لأخبرك أنه ذاب وتغلغل فامتزج مع نخاع العظم ،شوقي إليك ... فأين أنت؟
هناك مع من تقلد المجد وارتاح تحت الثرى ؟ أو لعلك ممن يصنعون مجدها الآن .... مصراته  فوق الثرى ...... يا حبذا.

 05.07.011