السبت، 22 يناير 2011

ليس رأيي


تجاوزت السادسة بقليل.. ولا يزال جالساً خلف عجلة القيادة.. ويحدث نفسه قائلاً: لماذا تستغرق كل هذا الوقت.. في كل مرة استدعاني فيها حظي العاثر.. لأُقلها لأولئك النسوة (الفاضيات) ليجتمعن هناك لا لشيء.. إلا لاستعراض جديدهن من ملابس وحُلي و .... , عندها استدرك بصوت مسموع وغيّر دفـّة الحديث.. ربما خوفاً من أن يمس خطاً أحمراً .... ربما.. (مش رايي) 
المهم أن صاحبنا استدرك قائلاً: ( يرحم والدين اللي اخترعك) في إشارة منه إلى مكيف الهواء.. الذي ينفث هواءً بارداً.. ليخفف من حرارة لا تناسب إلا هذه الأيام من شهر يوليو, وعندها تذكر.. ولا أدري كيف خطروا في باله أولئك المحرومون من هذه النعمة العظيمة, وتساءل مشفقاً عليهم: ( تي شني دايرين هضوم بلا تكييف)  فرجلـُنا من الذين يهتمون بنا نحن المساكين.. الذين لا ينقصنا إلا مكيف الهواء.... (مش شوري.. فهذا رأي الراجل).
كان حديث نعمة أو لا أدري كيف تقال.. وكما هو معروف عن حديثي النعمة.. فإنهم لا يتركون فرصة.. لا بل إنهم دائماً ما يتحينون الفرص ويخلقونها لإخبارك بما كلفتهم إياه حفلة عيد ميلاد ابنهم الصغير.. أو ثمن هدية نجاح مدفوع الثمن لابنهم الكبير.. أو بما  و بما وبما ...... أما رجلـُنا  فهو متيم بساعته الرولوكس.. وكان ما إن يستقر بجمع من الناس.. حتى يتحين فرصة لاستعراضها أمامهم والتباهي بها وبثمنها ( اللي مش تاعب فيه).. رولوكسه تلك التي لم يكن مقدراً لها أن تستقر علي يسراه لولانا نحن وصمتنا الفاضح واستكانتنا المثيرة للقرف, فكم من ظالم أعطيناه الأسباب ليزيد في غيه.. وكم من سارق أعطيناه بأيدينا قوت أطفالنا.. وكم من فاسق مهدنا له الدرب نحو أعراضنا ليهتكها.. آآآآآآآآآآآآآآه وكم زدنا (طينتهم بلة) أولئك الذين تحسبهم أغنياء من التعفف.. بسبب سلبيتنا تجاههم وقولنا ( تي مغير يالله.. ننستر مع روحي) ..... (هذا راي خالي).
نعود إليه.. رجلنا الذي لا يزال منتظراً خروجها متبرجة بدواء طفل.. عجز أبوه عن تسديد ثمنه.. بعشاء يتيم سكن الجوع جوفه.. بأمل يائس انطوى في زاوية غرفة مظلمة ممسكاً ملف أوراقه بيمينه . لا يزال ينتظرها ولكنه عاد بذاكرته إلى صباح هذا اليوم الرائع في مكتبه الفخم ذاك.. جالساً على مقعده الوثير.. الذي ما إن يستقر عليه حتى تتماسك أذرعه الشقية تلك.. في محاولة مستميتة.. لمنع تسرب كتلة الشحم من بينها وخارج حدودها.
'راني سو تايرد منبيش حد'.. أخبر تلك التي لم تنم ليلتها بكاءً وحسرةً على نفسها, لماذا؟ طبعاً بسبب رجل (ما) كانت تظنه حبل النجاة.. الذي سينتشلها من قاع مدينة.. مُلئت بالنساء.. نساء يُعانين آلاماً مُزمنة في الرقبة, تتساءلون لماذا؟ لأنهن دائماً ينظرن إلى الأعلى.. منتظرات نزول حبل نجاة ينقذهن من شفقة, كل أولئك اللائي أُنعم عليهن برجل.. أعطى لحياتهن معنى وزاد سعادتهن.. حتي يُتخيل إليك وأنت بحضرتهن.. أنهن يُلامسن السماء من فرط السعادة والهناء, أولئك اللائي يتعطفن على قليلات (البخت) بدعاء من قلوبهن الراقصة فرحاً (ربي يجبر بخواطركن.. ويوقف سعدكن) وكأن معشر النساء فقط خُلقن للانتظار, انتظار رجل (ما) أو دعوني أقول سابقةً قولي.. باعتذار لمعشر الرجال.. انتظار ذكر نافية عنه صفة الرجولة.. هذا إن اعتبرتُموها  صفة ملازمة لكل ذكر ينتمى لعشيرتكم المنتظرة.. (هذا رأي أختي اللي مش عاجبها حد).
(صار سو تااااايرد) ردّدت تلك صاحبة العيون الحمراء.. من كثرة البكاء (واللهي ما امتعبك إلا رطرط الشحم اللي شايلاته كرعيك.. ياناري عليهن) قالتها بغضب لا يناسب إلا خادمة.. واستسلام لا يليق الا بنعجة.. مرّ نصل سكين فقطع حبل وريدها.. فأسال الدم القاني وسط تهليل أطفال يصيحون: 'هيييي ماتت يا باتي.. ماتت).
عذراً.. لأني انحرف بكم عن أحداث صباح صاحبنا.. المهم أنه جلس وراء طاولة.. تراكمت عليها أوراق.. وضعت هكذا مبعثرة هنا وهناك.. لا لشيء إلا لتترك انطباعاً لدى الداخل لتوه.. بكثرة انشغال من يجلس وراءها.
وسط رنين أجهزة الهاتف بأشكالها وأنواعها المختلفة.. استقر صاحبنا على كرسيه مشدوهاً إلى شاشة على جهة اليمين منه.. كان مستغرقاً في النظر الي شيء ما.. يتصبب عرقاً وترتجف أوصاله.. ويتتمتم بكلمات غير مفهومة.. تكاد تلامس شفاهه.. حتى ليخيل إليك بأنه شارف على الموت.. ولكنني عندما دققت في نظرته تلك.. رأيت موت من نوع آخر.. إني أرى نشوة فاسق انتهك عرضاً.. حسرة وعشق ذئب لفريسة يراها ولا يملك إليها يداً (ع الأقل توا) , قطع جلسته ذلك البائس اليائس.. الذي حدثتكم عنه سابقا.. أتذكرونه؟ ذاك الذي انطوى بزاوية غرفة مظلمة.. أجل دخل عليه حاملاً بيمناه (ملف أوراقه.. عشان يقدم علي شغل) ومُطبقاً بيسراه علي شيء.. لا أتبينه الآن (السلام عليكم.. جيت انقدم اوراقي عشا.........) قاطعه صائحاً به (انت كيف خشيت هنا.. هي وكالة من غير بواب.. اساساً البني آدمة اللي برة.. كيف دخلاتك من غير ما تقولي).. تفضل يا سيد برة.. مشغول توا مش فاضي تعال الاسبوع الجاي) تزامنت كلماته الأخيرة مع حركة رشيقة من يده اليمنى رافعاً سماعة الهاتف ومخاطباً ( راقدة الريح اللي برا): ( مخصوم منك اسبوع.. عشان تتعلمي الذوق ومدخليش حد بلا اذني).. وانت مازلت قاعد؟.. تفضل برة ياسيد.. وتعال الاسبوع الجاي).. جاراً نفسه خارج المكتب الفخم ممسكاً ملف أوراقة بيمينه.. ومطبقاً بيسراه على شيء.. لن أتبينه أبداً.. اتجه البائس اليائس لزاوية غرفة ازدادت ظُلمة.
آه ياحبيبتي الجميلة.. قالها وهو يرتجف ولا أدري لماذا؟ وللعلم، فهو لم يكن يعرفها جيداً.. فقط منذ ساعات قليلة خلت.. ولم يكن يعرف لها اسماً ولا وطناً.. غير هذه الشاشة.. ولكن ذلك لايهم.. طالما أنها تتحدث لغة يفهمها من هم على شاكلته.. (مش عارف رأي من هذا؟).
دقت الثانية.. آه يا لحسرته.. فسيضطر لترك جميلته لساعة أو ساعتين.. بحسب الوقت الذي سيأخذه الاجتماع الذي دُعي إليه بصفته لا بشخصه.. لمناقشة سير أمور العباد.. وآآآآآآآآآآآهٍ ياحسرتي عليهم.
اخيراً وتحت تأثير ذكرى حبيبته الجميلة.. لم يستطع إلا أن يطلق منبه السيارة بقوة ويتمتم بكلمات أخجل من أن أوردها لكم.. أخيراً خرجت متبرجة متعطرة غاضبة(تي باهي.. وانت ديمة امركب عليا.. لو كان يبيعو في وسعة البال كنت شريتها لكي يا بيبي) فتحت باب السيارة جلست على الكرسي المجاور لكرسيه.. تحركت السيارة متجهة الي ذلك البيت الذي تجتمع فيه نسوة.. يمسكن بفناجين قهوة.. حُلت بدماء البؤساء منا.. (هذا رأي الفلبينية اللي ظهرها انقسم م التعب).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق