السبت، 22 يناير 2011

من منا يقوى؟

تقديم:
تتلاحق الأحداث وتتسارع .... تسلبنا الأيام لحظات لا تعوض فنستنزف ذكرياتنا ونضيع وسط ضباب أحلامنا فتتقاذفنا أمواج اليأس ويتلاعب بنا الأمل؛ يزيف لنا الوهم حكاية أخرى,وتصدمنا الحقيقة بوهم آخر, نمضي ولا ندري أين وجهتنا ..... فنتلاشى وسط الزحام.

انتابها ألمٌ مزق قناع سعادتها؛ ذاك الذي كانت تحرصُ أشد الحرص على أن تضعه وأن يكون مُلازماً لها منذ لحظة استيقاظها لتجد أختها تُقابل مرآة تتوسط جدار غرفة يتوزع فيها أثاثٌ ضاع في زحمة ألوانٍ تتناقضُ تناقُضاً جميلاً مع طلاءِ جدرانٍ رمادي وسجادةٍ عتيقةٍ تُشابه لون رمال البحر لحظة لقائها بموجة تضرب وجه ذاك الواقف أمامها مُنتظراً ربما عبور سفينة الأمل ليحجُز مكاناً لروحه التعيسة.
ها هي ذي تنهض من سريرها دار مبيتها ومخزن ألمها لتتقدم ناحية تلك المُنهمكة في وضع قناع من نوع آخر لتُلقي عليها تحية صباح لم تسمع لها ردا حتى الآن.

استقرت على كرسي يُقابل نافذة أطلت على شارع مزدحم بخيام بُنيت وأضواء وزينة عُلقت ابتهاجاً وفرحاً بزواج ابنة الجيران.

تبادر إلى ذهنها أول ما تبادر صورتها تلك بثوبها الأبيض وهي تمسك بيد رجل (كان) , ولكنها سرعان ما طردت تلك الصورة فهي لم تقوى بعد على محو ألم الفراق, ولكن ومن منا يقوى.

لم تكن ممن يُوصفن بالجمال السالب للألباب؛ وأيضا لم تكن ممن يخطُفن الأنظار ببشاعة مظهرهن كانت فتاة مثل أولئك اللائي تُقابلهُن في طريقك صباح أو مساء كل يوم مثلهن في كل شيء إلا أنها لحظة تمعنك في النظر إليها يُخيل إليك أنك ترى شبحاً !! كانت جسد تستره الثياب ووجه يُغطيه الوجوم ولكن عينيها أجل عينيها تقولان الكثير, أكثر مما يجب أن يُقال وأصعب مما قد يُفهم.
أحبته حتى تسنى لها في كل لحظة أن تشتم عبير أنفاسه المنقطعة وتنعم بنغمات صوته الواهنة التي تنادي اسمها من مثواه الأخير, أن حبيبتي ألن تأتي؟ فلا تملك لحظتها إلا أن تلبي نداءه لتجد نفسها تُزاحمه قبره بروح ذائبة وقلب منكسر.
فقط أريده الآن: كلمات حدثت بها نفسها وهي قابعة على كرسيها المُقابل لنافذة أطلت على شارع مزدحم بخيام بُنيت وأضواء وزينة عُلقت ابتهاجاً وفرحاً بزواج ابنة الجيران, استفاقت من خلوتها تلك على صوت أختها يُكرر ذاك السؤال الذي لم تعرف كيف تُروض حروف أبجديتها لتقول إجابتها عنه
سألتها تلك التي أكملت زينتها واستعدت للخروج بكامل أناقتها المُؤذية للنظر: (شني نقول للراجل اللي مكلمني عليك)؟ ورددت سؤالها ثانية: ( شني نجاوب الرجل اللي مكلمني عليك, راهو والله كويس وشاريك وبعدين الحي ابقى من الميت انت بكرة تكبري وتبي حد يونسك تزوجي الله يربحك الراجل ما ينسيش الا راجل وافقي وريحينا عليك سلم خيتي باش تلاقي عويلة تنسندي عليهم في كبرتك) عندها نظرت في عينيها وهي في طريقها لدار مبيتها؛ لمخزن ألمها نازعة عنها قناعها وأخيرا أجابتها: (اللي ينطلب القلب , وانا معنديش قلب)؟؟؟
لا بل كان لي, كان لي, كان لي , ولكنه ذهب من دون أن يُكلف نفسه عناء النظر خلفه لينظر ماذا ترك وراءه, هكذا وضحت لنفسها إجابتها لتلك التي لا تزال هناك واقفة تنظر إليها وهي تستلقي على فراشها وتتكوم على نفسها وتغمض عينيها في محاولة فاشلة لتمنع تسرب دموع استقرت على وسادتها لتقابل مثيلاتها مما انهمرت سابقا قبل أن توقفها بوضع قناع سعادة زائف
كانت على يقين تام بأن ما من سبيل إليه إلا اللحاق به, وأخيرا كانت قادرة على إجراء ذلك الاتصال..... فما بين معاناة ألم فراق لا يرحم ولهيب نار شوق لا ينطفئ وجدت نفسها تُحدث موتها: أن خُذني إليه؛ خذني إليه .........

في حضرة سكون الموت اندفع, انطلق صراخ أختها بعد أن اقتربت منها وهزتها, نادت عليها ولكنها علِمت من تلك السكينة التي زينت وجهها أنها ذهبت إليه ولم تمنعها علب الدواء تلك أن تكون معه لحظتها.

زُفت على صوت الصراخ الذي جمع الناس في ذلك الشارع المزدحم بالخيام التي قُدر لها أن تكون خيام فرح تلك المُعذبة المُكومة على نفسها في وضعية جنين لم يقوى على فراق رحم أمه........ ولكن ومن منا يقوى؟.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق