الاثنين، 24 يناير 2011

شمس

كلماتك القاسية لا تزال تدوي هنا؛ في أُذني وتملأ  المكان حولي, إنها تحاصرني من كل صوب.

عزيزي؛ لكم كان واضحاً لي واقع حالنا ونهاية قصتي معك؛ إلا أن كل ذلك لم يكن مانعي من أن أتجاوز الحدود وأكسر الحواجز لأقف أمامك مرات, لا بل مرات كثيرة وكل كياني يصرخ أحبك.

سيدي؛ لم تشفع لي كلماتي عندك, كلماتي التي ارتسمت على صفحة وجهي المُتخم بالحزن الذي احتل واستقر بسواد عيني فطغى وتجبر, فلم يكن أمامي إلا أن انتحب.

تسللت دموعي وتساقطت في جنح ليل تتستر بظلامه, نهرتُها .... دموعي سيدي .... ولكنها واصلت تدفقها مع تغيير مسارها لتستقر بشريان قلبي النابض بقوة حبك الذي لم يكتب لي, وهناك انهمرت حتى جف نبعها.

................................................................
................................................................
................................................................


أشرقت شمس الصباح؛ وانقشع سواد ليل طال .. تسلل النور لعيني الدامعتين فطرد حزن حبك, ازداد النور فجفت دموع شريان قلبي بفعل قوة دفء حب جديد يُصارع آخر فرسان جيشك.

آآآآآه لكم أتمنى أن يُهزم, أن تُهزم سيدي لأنهض وأمضي معه, ذلك القادم نحوي منادياً اسمي؛ ذاك الطالب لودِ قلب عبثا سيدي نادى أحبك.

السبت، 22 يناير 2011

هناك بدأنا



سألني صديق لي أن أُقرضه قلمي لحظاتٍ معدودات لأكتب له رسالة يرسلها لامرأة  يُحب, لست ممن يكتبون ولا يبعثون رسائل الحب, ولا اعتقد حقاً بأنني ممن يؤمنون بوجوده ( أعني الحب) ولكني تحت تأثير كلماته المستكينة والمشجعة لقلمي وعدته وعلى مضض أن اكتب لأجله ولكني لم اعرف أبداً أنني على وشك أن أخطو أولى خطوات العودة نحو ماضٍ مضى, ولكن أوليس وراء كل موت انبعاث؟ إذاً فاليوم سينبعث ماضٍ دفنته منذ سنوات.
المهم جلست وعادة ما أفعل على كرسيي ذاك ابيض اللون, وانتظرت أن تأتيني لحظة الإلهام تلك التي يتحدثون عنها والتي تأبى زيارتي قريباً, المهم تحرك قلمي فخط بضع كلمات لم تعجبني كثيراً فالمفروض أن اكتب رسالة حب ولا اعتقد أبداً أن رسائل الحب تبدأ ب (لم يقوى شراعي مقاومة ريح جنوبية, فتأوه ومال ثم انكسر؛ يُصارع قاربي وحيدا دون شراعه أمواج بحر رمت بي على شاطئ مقفر,تلفتُ حولي فلم أرى إلا أحلامي التي هجرتني وتركتني لأرى واقع حياتنا التعيسة عندها ركضت باتجاهها وكلي شوق إليها, فإذا بها تزداد بعداً كلما ظننت أني سأُلامسها بيدي.
 عُزلٌ دون أحلام تدفئنا, قابعون هناك يتحين صقيع واقعنا المُزري أن يُلامس أجسادنا التي توهمناها دافئة(
ماذا افعل الآن, لم يكن لي بدٌ  من أن أعصر رأسي وربما ضربته مرتين أو ثلاثاً بالطاولة أمامي ليخُط قلمي بعدها كلمات أوجعت قلبي ولكني أريد أن اكتب كلمات تأسر القلوب وتبعث الأمل في النفوس ولا أظن أن كلماتي هذه (بين كفتي ميزان يتأرجح وبين رغبتي العارمة بأن تتفوق كفةٌ ما أريدها وأرغبها على الثقل المُرمى به على الكفة الثانية, ها أنا ذا أتلو صلواتي وأتمتم بتلك الأدعية التي لطالما سمعت جدتي ترددها وأتغاضى عن حقيقة, ميل كفة الميزان ضدي وأؤمن وأصدق بأن معجزة ما ستحل وبان كفتي هي الراجحة، عندها لا يوقضني إلا صوت انكسار بداخلي لأنهض ولأرى وعندها فقط سأؤمن وسأصدق بأن المعجزات لا تحدث معنا نحن الراغبون بيأس بأشياء نعلم جيدا بأنها ليست لنا وإن كانت). لا اعتقد ولا أظن أبدا أن تلك الكلمات ستُفرح وستُحرك قلوب النساء ( والرجال أيضا).
هيهات هيهات تأبى الكلمات إلا أن تعاندني (بداية جديدة, هذا ما نريده ولكننا لا نعرف من أين نبدأ فقد تقطعت بنا السبل هنا ولا نجد أحدا لنسأله أن أين المفر من غربة سكنت أرجاء قلوبنا وعاثت بأرواحنا فسادا فإذا بنا ننزف وحشة تزداد كل يوم ألف ألف مرة.
مالي ولكم تتناقص أعمارنا من حيث لا ندري تتقاذفنا الأيام وتلهو بنا الساعات ونتمسك فنضيع في دقائق الوهم فلم يعد يعني لنا الوقت كثيرا بعد أن ضاعت أحلامنا وتربع اليأس على عرش ممالكنا المسلوبة, خارت قوانا وتلاشينا وسط العدم غرقنا بدموع ذرفت وتعلقنا بأحلام نهبت فدُفنا أحياء في مدينة للشياطين, لم تشفع ضحكات أطفالنا ولا حتى بكائهم لم تهز عروشهم صرخات ثكلى نسائنا أما عجائزنا فخاب أملهم بدعاء لم يستجاب)
رفعت راية الاستسلام بعد محاولتي الأخيرة هذه ,لقد هُزمت وحدثت نفسي أن لا بأس إن أخلفت وعدي صديقي فنفضت يدي من كتابة رسالة الحب تلك واتجهت نحو خزانة هجرتها منذ فترة ليست بالقليلة, احتفظ فيها بنسخ من كتاباتي التي لم ترى النور بعد لأفرزها وانظمها فوقع بين يدي صندوق لم اعتقد بأنه مازال هنا, فغيمت سحابة محملة بمطر غزير فوق أرجاء قلبي وانهمر مستقرا على الأوراق أمامي, صديقي ليتني ما عرفتكَ قط , وليتني لم أعدك قط ,وليتني لم أوجد قط  حتى أعيش لحظة انبعاث الميت هذه.
سنوات مرت حتى أنني نسيت انه في يوم ما قد كان هناك شاب وفتاة رفرف طير الحب فوق رأسيهما إلا أن القدر ومشيئة الحياة أبت إلا أن تفرقهما. كان وكانت, فلم يبقى منهما إلا  كلمات كُتبت:
  •          لا افقهُ الكثير في الحب, ولست أريد أن افقه ... ولكن أصعب هو حقاً؟
  •        لا أرغبُ بتغيير مكاني ... هنا رأيتك .... وهناك تغير حالي.
  •         فك أسره إني اسمع استغاثاته.... قلبك ينادي .......وأنا أريد الإجابة.
  •         ذهب إليك فلا ترده....... يبكي عند بابك .... قلبي هناك.
  •        خذ بيدي وترفق بي .... طفلة أنا ..... وتحبك.
  •          أترافقني؟ ..... دربي طويلة وأنا بحاجة  إلى  حبيب.
  •         رأيتك الليلة ... سعادتي كبيرة.... آآآآآآآه أحلمٌ هو؟
  •          لا اطلبُ أن تأتي إلي, فلا تأتي ....... قادم إلي أنت ألست كذلك؟ 
  •         قالها لساني أفهمتها؟ واضحة في عيني أرأيتها؟خرجت مع أنفاسي أوصلك عبيرها؟ اشتاقك حتى وأنت هنا ....  ماذا أفعل؟
  •         لا تذهب الآن .... إني أعدُ أنفاسي .... تتسارع هي ... أخاف أن اختنق.
  •        لا أريد أن أتمنى شيئا , فالخيبة حظي من التمني .... أريدك أنت أهي أمنية؟
  •         لا تبكي حبيبتي ... قادم هو ليذهب ..... لا تجزعي صغيرتي ..... انقضى الأسوأ.
  •         لا اعلمُ حقا ما سأكتب, ولا أخطط  لكتابة المزيد.... فحروفي تزيد جرحي عمقا.

فقراء نحن

استيقظت فزعةً بتأثير كابوس يطابق تماما واقعاً تُعايُشه, استيقظت طفلتنا هذا إن سلمنا بأنها نامت ليلتها تلك أو حتى لياليَّ سابقة حتى تستيقظ الآن.
 تخاف الليل هي كسائر أطفالنا إلا أنها كانت تملك سببا آخر يزيد خوفها ويضاعف من لون سواد ليلها ويبذر الرعب في فراشها المُبتل بردة فعل جسدها المغتصب, جسد طفلتنا التي أُجبر عقلها الصغير أن يعرف مُبكراً معنى الحقارة.
تسرب صوت صرير باب يُفتح إلى أذنيها ونادى صوت أشبه ما يكون بصوت العار الذي لم تجلبه لنفسها, نادى همساً اسمها فتكومت أكثر على نفسها واجبرها رعبٌ ساحقٌ أن تسقي أغطيتها مرة ثانية أو لعلها كانت الثالثة, اقترب الصوت منها  فما كان منها إلا أن أزاحت عينيها ويديها عن دميةٍ  تحتضنها لتسحب أغطيتها المُبتلة وتلتف حولها في مُحاولة منها لإخفاء جسدها بين طياتها التي كانت بالنسبة لها خندق كم تمنت أن يمنع العدو عنها  فعقلها الصغير صور لها أنها هناك تحت أغطيتها ستقبع بأمان بعيداً عن يد الشيطان , إلا أنها علمت علم اليقينً أن يداً سوداء ملعونة ستنتشلها من بين طيات أغطيتها وستعبث بجسدها الطاهر وستتركها تعاني شتى أنواع العذاب الروحي الذي بات رفيقها بدل دميتها تلك التي رمت بها بعيداً يد استباحت جسد طفلة فسكنها ذنب إثم لم تقترفه يداها.
كان جالسا بقربها ذئب ينهش عرضها, يتأملها بنظرة أصابتها بقشعريرةٍ ارتجف بفعلها جسدها الصغير المبتل البارد ,نظرة ظلت ترافقها طيلة حياتها التي جاهدت كثيراً لئلا تنعتها بالتعيسة ولكن هيهات هيهات, فالتعاسة كُتبت عليها, والألم قُدر لها ولازمها لا بل وسار معها جنباً بجنب وهي تشيع ابتسامةً حاولت صادقة جاهدة أن تضيء وجه طفلة كانت.
 كانت يده النجسة تتسلل كأفعى تحت ثيابها مخترقة حاجز القرابة, حاجز العمومة التي ينسبها إليه, عمومة فقط كتبت على الورق, ورق ذاب واختفى بعد أن ارتوى حتى الثمالة بدمعٍ حارقٍ من عيني طفلة اشمأزت واهتزت وتشتت من واقع حياة صفعتها بقوة, فكسرت فيها كرامتها.
فقير أنت, يعوزوك كل شيء, حتى بات سهلاً عليك أخذ كل شيء , تتراقص فرحا وتشتمُ وتقبل يداً نجسة تركت أثار فتحك الآثم بعد انتصارك في معركة خُضتَها ضد جسد طفلة قُدر لها أن تستقبل الشيطان في فراشها كل ليلة فكسر روحها وحفر عميقاً ليزرع بقلبها شجرة أعطت أُكلها كل حين ثماراً سوداءَ, شجرة لازلت تُسقى بدموع امرأة اغتصبت طفولتها فانقلبت حياتها ليلاً طويلاً ينتظر بزوغ فجر يوم قادم لا محالة, يومٍ كُتب له أن تُشيع فيه جنازة ابتسامة حاولت صادقة جاهدة أن تزين وجه امرأة كانت يوما ما طفلةً تُركت لتعاني شتى أنواع العذاب الروحي الذي بات رفيقها بدل دميتها تلك التي رمت بها بعيداً يدٌ عبثت واستباحت جسدها فسكنها ذنب إثم لم تقترفه أبداً يداها.
اعذروني سادتي فقد أخبرتكم للتو بأنه في يومٍ ما مضى, فقير كان, ولا زال هو, يعوزه كل شيء حتى بات سهلا عليه أخذ كل شيء , فقيرٌ تراقص فرحا واشتمَ وقبّلِ يداً نجسة تركت آثار فتحها الآثم بعد معركة  خاضها ضد جسد طفلة قُدر لها أن تستقبل الشيطان في فراشها كل ليلة, طفلة أصبحت اليوم ذكرى امرأة أراها وأنا أُحدثكم الآن تُشيع جنازة أُخرى لابتسامة أُخرى حاولت صادقة جاهدة أن تزين وجه امرأةٍ  مكفهر.

بين موتها وانبعاثي

إنها صديقتي؛ أجل إنها هي, غير أن الحُزن غير الكثير من ملامح وجهها الملائكي وأصاب النحول جسدها المُتهالك, إنها هي مُكومةٌ على كُرسيها دون حراك. اقتربتُ منها أكثر, جلست بقربها أكثر وأكثر وأخذت يدها مترفقة بها أكثر ووضعتها بين يديَّ الباردتين أكثر وأكثر, وسألتها و أنا أحاول أن أُخفي عبرة تخنق صوتي وتكتمه, سألتها وأنا أُبعد عن رأسي كلمات سكنت به وأصبحت كترنيمةٍ صباحيةٍ أو كإحدى أغاني فيروز التي يُثابرون على بثها كل صباح.
سألتها وطيف يقف بيني وبينها أُحاول جاهدة أن أُبعده ولكنه يأبى إلا أن يبقى بيننا, فأُغمض عينيَّ عله يختفي فإذا بي أجده أمامي بنظرةً واثقةٍ ولسان حاله يقول: أنا هنا ودائماً سأكون.
سألتها وهناك وجع ينخر بقلبي ويُقيم بين أحشائي ويُذكرني بأنه هنا وجد الملاذ والمأوى, سألتها وأنا أحاول صادقةً أن أجد تلك الكلمات التي سأصوغ سؤالي بها ولكني أُفاجأ بأن حروف أبجديتي لا تعرف إلا كلمةً واحدة؛ اسماً واحداً, سألتها فإذا بي أقول اسمك أنت (..........) عندها فقط علمتُ بأني لست بأفضل حال منها.
اقتربت صديقتي أكثر وأسندت جسدي الهزيل لجسدها المُتهالك أكثر فأكثر ووضعت رأسي على كتفها وبدأت بالبكاء أكثر وأكثر, فأكثر, وأنا أسأل نفسي أتُراها تبكيني؟ ملء صوت بُكائُها أُذناي وغمرتني أوجاعها, الآن بوضوح أسمعك عزيزتي, ألمك يتآكلني, ولكني بخير فلماذا البُكاء؟
أششششششششششششششششش, تتكاثر أصوات النحيب وتعلو, يد تُمسك بيدي فينبعث الدفءُ  في جسدي البارد, رائحة تعبقُ المكان بشذى عطر أعرفه جيداً, صوت يُناديني ويا لتوهمي إنه لصوتك أنت يهمس في أُذني : حبيبتي ؛ حبيبتي!!! أُغمض عينيَّ وأبكي فيعلو صوت بكائي يا إلهي إني أُصاب بالجنون, تلك اليد تضغط علي يديَ أكثر, والصوت يعلو وينادي اسمي بقوة أكبر, فيعلو صوت بُكائيَ أكثر فأكثر, رحمتك ربي قد أُصبتُ بالجنون.
تتلاحق الكلمات وتتلاشى أصوات البكاء شيئاً فشيئاً, ابتعد عن المكان وتختفي كل دلالات الزمان. افتح عينيَّ فتتضح الصورة أمامي أكثر:
من بعيد جسدٌ هالك بين ذراعي جسدٍ متهالك مكوم على كرسي وُضِع بزاوية غرفة يملؤها الحزن وتتعالى فيها أصوات البكاء والعويل. ألتفت حولي فأجد طيفك من جديد مُمسكاً بيدي ومبتسماً في وجهي ولسان حاله يقول: أنا هنا حقاً معك ...... إنه هو حقاً, إنه أنت حقاً, آآآآآآآآآآآآآآآآآآه يا إلهي أخيراً أُستجيب لصلواتي.

يائس أنا

قالها أمامي ورددها: ( دع الأيام تفعل ما تشاء ,,,,,,, وطب نفساً إذا حكم القضاء / ولا تجزع لحادثة الليالي ,,,,,,,,, فما لحوادث الدنيا بقاء) عندها تذكرتُني أنا وشكواي المستمرة وتذمري الدائم من كل ما حولي, تذكرت صراخي الصامت ونحيبي المكتوم وخوفي الدائم  من أن أُرى باكياً, وانه لجرمٌ شنيع ولعار عظيم سوف أُورثه لأولادي الذين لا أزال أراهم يلعبون ويبعثرون أوراقي هنا وهناك ولا أجد كلمة واحدة أقولها تجعلهم يتوقفون, عندها أبدأ بحثي عن مكان بعيد يعزلني عنهم وعن العار الذي سأورثه لهم. وفي مكاني ذاك أطلق العنان لصراخي, أفسح المجال لدموعي بأن تنهمر, أحطم كل ما قد يتحطم واتركني للغضب يتآكلني
انظر حولي علني أجد أحداً ليسمعني ويُخفف عني ولكني لا أجد إلا بقايا قطع متكسرة مُهشمة ولا اسمع إلا صوت أنفاسي المتقطعة فأُعاود صُراخي وتحطيمي لأشياء لا ذنب لها إلا أنها وُجدت في طريق رجل يائس.
أخيراً أتوقف وانظر إلى ساحة معركتي بعيني فاتح عظيم, امسح دموعي, انفض الحزن عن وجهي, أرتب من هيئتي, وأجر نفسي لأعود  أدراجي إليهم لأجد زوجتي كعادتها تستقبلني بابتسامتها الدافئة تلك التي لأعرف معنىً لها ولكني وبحكم العادة أُبادلها الابتسام وأنا أعرف جيداً بأن صوت صراخ سيقطع لحظتنا تلك , بالطبع إنهم أولادي يبعثرون أوراقي مرة أًُخرى.

الإحتضار


يجثو على قلوبنا يعتصرها ألم ينزع كل جميل فينا, يلهو بنا تارة, وتارة يرأف بحالنا فيتنكر في حلته تلك حاملا الأزهار ومُحملا بهداياه الفاخرة ليخبرنا بأن كل هم زال وأن الغد أجمل, ويتمادى في كذبه ليقنعنا بطريقته الملتوية تلك بأن اليوم هو الغد وبأننا رزقنا أملا جديدا, فرحا جديدا, حياة أخرى لنبدأ من جديد. ولكننا فجأة نجد أنفسنا في تلك الزاوية لا نعلم للوقت وقتا ولا نرى أمامنا إلا أعينا دامعة أعينا نعرفها جيدا, أنها عيناك أنت أمي فلماذا البكاء؟ أنا هنا, لأزال هنا حتى مع ألم يتآكلني وحلم جميل يراودني ينتشلني من الألم لحظات, لأزال هنا ولا أريد إلا أن أرى وجهك مبتسما لي, ولا أرغب إلا بأن تمسكي بيدي وتنظري في عيني وتخبريني بأني سأكون بحال أفضل, حتى وإن لن أكون.
يكفيني بلحظاتي هذه أن تعبث أصابعك الجميلة تلك بشعر متلبد يغطي رأسا مسندا إلى وسادة وضعت بعناية فائقة على سرير رتب بحنان فائض ليكون سجنا دائما لي ولحلم سكن كل ما تبقى من جسدي المُسجى فوق أغطية ذات ألوان زاهية وضعت في محاولة يائسة لتناقض لون السواد السائد بداخلي.
أمي كم تمتلكني رغبة عارمة بأن أعود إلى مهدي الأول, لوطني الأول بين أحشائك بعيد عن هنا, عن سرير وضع بزاوية غرفة, وعن وسادة وضعت بعناية فائقة, عن أغطية بألوان زاهية وضعت في محاولة يائسة لتناقض لون السواد بداخلي.
أمي لا تبكيني الآن فأنا هنا لأزال؛ ولكن وفي تلك اللحظة التي ألفظ فيها آخر أنفاسي اصرخي, ابكي, وصلي لأجلي فأنا طفل صغير في جسد يـتألم.

تعال صديقي

بين ثلجٍ ونار, بين يأسٍ وأمل, بين وهمٍ وحقيقة, بين بُعدٍ وانتظار,بين شقاءٍ وسعادة, بين صدقٍ وزيف, بين حبٍ ولوعة, بين قلبٍ وعقل, بين موتٍ وحياة, بين بدايةٍ بلا نهاية  وبيننا نحن وبين من يجبُ أن نكون, انتظرُ بصمتٍ حبيبتي أن يشفي الزمنُ روحيَّ المُعذبة.

آآآآه  يا صديقي ليست بي رغبة إلا في البكاء, وليست لي حاجة إلا للدموع ,بعثت إليها بكلماتي تلك التي بدأتُ بها رسالتي هذه  إليك, وأنا لأعلم لماذا؟ ولكني أعتقد أني قد مللت من تردي حالي نحو الهاوية أكثر وأكثر ومن باب داوها بالتي كانت هي الداءُ فقد بعثتُ إليها بكلماتٍ علها تُثيرُ حتى شفقتها علي, فأنا لم أعد أهتم إن جاءتني تحت تأثير شفقة أو حب, كلُ ما يُهمني أن تكون حبيبتي لي.

يا صديقي يقولون أنه كفيل بشفاء كل تلك الجروح التي عجزنا أن نداويها ,ولكني أتساءل لماذا وقف الزمن عاجزاً أمام جُرحي هذا؟ أهو سوء حظي مجدداً؟ ذاك الذي رمى بي مرة في أتون العشق أعزلاً دون أن أملك سلاحاً أدافع به عن نفسي.

آه يا صديقي أعلم أنك ترثي لحالي الآن , ولا أُخفيك فأنا أيضاً أفعل, فلم أعد قادراً في الفترة الأخيرة إلا أن لا أكون بخير, ولم أعد أرى أية بهجة في الحياة, ولا يُعزيني إلا كلمات قصة
 ( آلام فيرتير) ودائما ما استغرب تشابه سير أحداث القصة مع ما أعانيه الآن, وكم أتمنى يا صديقي أن أجد فيرتير ذاك لكي أرتمي بين ذراعيه وأنوحُ معه على حب امرأةٍ انقضَّ عليَّ وأرداني قتيلها, ففيرتيري وحده القادر على فهم حُزني.

صديقي ليتك رأيتني وأنا جالس عند تلك العرافة, أجل ذهب صديقك لعرافة, فقد دلتني عليها تلك التي تشاركني مكتبي وتجلس قبالتي, تلك التي شبهتَها عندما جئتني في المرة السابقة, بعجوز سبعينية تحتل جسد امرأة لم تتعدى الثلاثين, المهم إنها دلتني عليها بعد أن رأت ما وصلت إليه حالتي من سوء حتى إنها قالتها صراحة: إنك مسحور, مسحور.

أتُراني حقاً مسحور, ولماذا أسأل؟ فأنا فعلاً أجد الراحة في هذا الاحتمال, وكم أتمنى أن تكون حبيبتي تلك قد رمت علي بتعويذة حب. ولما لا؟ فلطالما كنت ذلك الرجل المنشود, أنا هو ذاك الرجل الذي تريده لابنتك وتتمناه لأُختك , أنا ذلك الرجل الذي يغار منه الرجال بسبب نظرة الإعجاب تلك, الطبيعية, التي تزين عيون النساء لحظة وقوع أبصارهن علي.

مغرور أنا يا صديقي, لا زلتُ عند عهدك بي حتى لحظة إجابتي على سؤال العرافة ذاك لم أتواضع لأخبرها أنها لم تُعرني انتباهاً أبداً بل قلت لها, كيف لها أن ترفض من هو مثلي؟ عرافتي أني لا أسألك أن تفكي سحرها عني, بل إني أطلب إليك راجياً أن ترميها بإحدى تعويذاتك حتى يُصيب حبي صميم روحها فتأتيني بلهفة لا يوازيها إلا حب رجل جالسٍ أمام عرافةً يشكو قسوة الحب.

خرجت من عندها فرحاً متأملاً بعد أن دفعت راتب شهر كامل ثمناً لتلك التمائم, التي أمرتني أن أُعلقها في ثيابي ,وكذلك أمرتني أن أقول بعض الكلمات (الطلاسم) التي حفظتها عن ظهر قلب, مؤكدة لي بأن قلبها أي حبيبتي, سينتفض من سباته العميق وسيُعلن ثورة حب عاصف, ولي ولي وحدي ستكون حبيبتي, أكدت عرافتي.

وكم كنت أحمقاً لأصدق كل ذلك, وكم كنت تافهاً لأُعلق تلك التمائم بثيابي , وكم كنت غبياً لأُردد تلك الطلاسم ولعلي لست بحاجة لأخبرك بأن شيئاً لم يتغير إلا حالي الذي تردى أكثر وأكثر

يا صديقي قد تناثرت روحي أشلاء وانهمر الدمع من عينيَّ وعصفت بي موجة حزن قاتل لحظة قراءتي لبطاقةِ دعوةٍ علقت هناك على لوح الإعلانات المجاور لمكتبي ذاك: أن تفضلوا لحضور حفل زفاف حبيبتي.

صديقي حبيبتي ستُزف لغيري, آآآآآه ربي أسألك الرحمة , ماذا عساني أفعل؟ فقد ضاقت علي وأنا هنا بانتظار أن تنفرج حلقاتها, تلك التي ضاقت واستحكمت, أني بانتظار رحمتك ربي.
وتعال إلي صديقي أنا بحاجة إليك ....... إني أختنق.

اهداء

سألني دون أن ينتظر الإجابة, استدار وعاد أدراجه, ترقبه عيناي يبتعد حتى توارى
 انتفض قلبي ... دمعت عيناي, احبك صديقي ... هناك كنت أصلي أن أراك.
أمنياتنا ناقصة ... أراك وتبقى, تبقى ......
كيف لي أن أنسى , أنسى.......
بي غمة.... كيف أهوى.
 أهوى ...... بي شوق كيف ألقى
 ألقى بي في أتون العاصفة.
 
لا أنوي الخروج من قوقعتي .... ولماذا اخرج؟ ماذا ينتظرني؟
يترصد بي الألم ,,, ويلحق بي اليأس ........ ويسكنني الحزن ......... فلأتقوقع ولاختبأ ولأبكي هنا
أراك من بعيد تهم نحوي ....... ماذا تريد؟ .... نفذ صبري ...... افلت يدي ....... أنت من رمى بي هنا
والآن تريد أن تنتشلني

33

عزيزي السيد (ج), وجدتها بين أوراقها التي أمنتني عليها, رسالةٌ كُتبت لك, ربما سأخون ذكراها بتسليم ما أُمنتُ عليه ,ولكني أعتقد أن رسالتها هذه إن قُدر لها أن تُحفظ فلابد أن تُحفظ معك أنت, وأنت وحدك, وعندما ستنتهي من القراءة ربما ستفهم ماذا أعني.
المُخلصة لها (م). 

انتابتني موجة ألم فغصت سمائي بسحبٍ مُحملةٍ بدموعٍ سرعان ما استقرت هناك بين مقلتيَّ وكأنها تخشى أن تنهمر فألومها, وتخاف إن هي ظلت هناك فإنها خانقتي بعبرةٍ لا فَِكاك منها, لذا فأنا اليوم هنا, قابعة بين شفقة الدموع وبين شوقي إليك.
انقضى شهر وثلاثة أيام كاملة منذ أن كنت هنا في المرة الأخيرة, بدأت اليوم وأنا أتساءل ماذا تُراك تفعل الآن؟ بماذا تُفكر؟ ء أنت بخير؟ سألت كل ما قد يخطر ببالك من أسئلة ولكني لم أجرأ أبداً على سؤال نفسي: أتُراك تذكرني؟ حتى مصادفة؟ لأني أعلم إجابة سؤالي ذاك مسبقاً.
ظننتُ أني قد استطعت أن أمضي قُدما وأنساك خصوصاً بعد أن قُمتُ بمسح رقم هاتفك, بريدك الإلكتروني, ووعدت نفسي بأني لن أتصل بك بأي طريقة كانت, ولأي سبب كان, وحتى أنني مزقت كل ورقةٍ كتبتُ فيها كلمات لك وبسببك. ولكني اليوم أعلم جيداً بأني تركت كل شيء ومسحت كل شيء إلا أنت لا تزال هنا.
لا تسأل لماذا أُخبرك كل هذا وأنا أعلم مسبقاً بأن كلماتي هذه ستمر مرور الكرام على ناظريك هذا وإن وجدت بالأصل وقتاً لقراءتها؟ ولا تتساءل لماذا أبعثُ إليك بكلماتي الآن؟ فمنذ البداية لم انتظر منك شيئاً ولأظن بأنني سأنتظر الآن, فأنا اعلم جيدا بأنك هناك وأنا هنا تفصلنا مسافات وأحداث, وأُناسٌ وأشخاصٌ ولعل ما يُخفف عني الآن أني أخيراً قد تمكنت من فهم كل شيء بوضوح تام؛ فمن منا يملك أمر قلبه ليأمره أن أَحِبَ فلان؟
الآن سأترك فكرة نسيانك بعيداً وأتعامل مع ما اشعر به تجاهك وكأنه أمر قدري كالموت الذي لا نملك معه شيئاً. فبالرغم من أننا نعلم أنه حقيقةٌ واقعةٌ في حياتنا وبأنه قادم لا محالة, لكننا لا نملك أن نقدم معه أو نؤخر إننا فقط نحيا متأملين بأن لا يكون في ضيافتنا قريباً. هذا هو حالي معك, اعلم جيدا بأني أُحبك وبأنه أمر لن يُغيره زمان ولا مكان, وفي نفس الوقت أعلم أيضا بأنك لا تُحبني, هذه هي الحكاية هي البداية والنهاية, بدون شخوص وأحداث إنني فقط احبك من دون أن انتظر شيئا ليأتي. حبٌ لم استطع نسيانه فلم يستطع غيرك أن يأخذ مكانك, حبٌ كلما ظننتُ أني أخرجت نفسي من أسواره العالية أجدني في غرفة يملؤها صوتك وتزين جدرانها صورك فأفتح بابها طالقةً  العنان لرجليَّ هاربةً راكضةً علني أجدُ ملجأً يعزلُني عنك,  فإذا بك في داخلي تسكن قلبي فأعلم أنه لا مفر ولا ملجأ منك.
إنها المرة الأولى التي اكتب إليك فيها بالعربية ولا اعلم سبباً لذلك فقد كانت الإنجليزية ومازالت ستاراً اختبأ وراء مفرداته وأتسلل بين كلماته ولكني هنا أجد مفرداتي صارخةٌ بكلماتٍ واضحةٍ:
(ج), أنا أحبك لا أزال
إنها آخر كلماتي إليك, أعدُكَ إنها الأخيرة.
ملاحظة: (بعد مرور فترة قاربت الأشهر الخمس لم أخلف فيها بوعدي لك, ولكني تحت تأثير رؤيتك خارجاً متوجهاً لمكان بعيدٍ جداً عني أمسكت  بهاتفي وقمت بطباعة هذه الكلمات بعد أن كتبت رقم هاتفك الذي بات واضحاً لي أنه لن يُنسى أبداً
 I can't say it face 2 face, but I love u more than b4. Can u help?)

هنا تنتهي كلماتها وتبدأ كلماتي مُجدداً. سيدي أنا دائما ما اعتقدت بأن الحُب مرض مُعدي, كالحمى الصفراء, ولكني الآن لأعتقد ذلك أبداً, فلست أفهم كيف كان بإمكانك أن ترفض حب فتاة تسأل المُساعدة بسبب حبك الذي سكن العظم منها. 



ملاحظة: تم نقل الرسالة حرفيا كما عثر عليها ولا دخل لنا بأي اخطاء لغوية 



ليس رأيي


تجاوزت السادسة بقليل.. ولا يزال جالساً خلف عجلة القيادة.. ويحدث نفسه قائلاً: لماذا تستغرق كل هذا الوقت.. في كل مرة استدعاني فيها حظي العاثر.. لأُقلها لأولئك النسوة (الفاضيات) ليجتمعن هناك لا لشيء.. إلا لاستعراض جديدهن من ملابس وحُلي و .... , عندها استدرك بصوت مسموع وغيّر دفـّة الحديث.. ربما خوفاً من أن يمس خطاً أحمراً .... ربما.. (مش رايي) 
المهم أن صاحبنا استدرك قائلاً: ( يرحم والدين اللي اخترعك) في إشارة منه إلى مكيف الهواء.. الذي ينفث هواءً بارداً.. ليخفف من حرارة لا تناسب إلا هذه الأيام من شهر يوليو, وعندها تذكر.. ولا أدري كيف خطروا في باله أولئك المحرومون من هذه النعمة العظيمة, وتساءل مشفقاً عليهم: ( تي شني دايرين هضوم بلا تكييف)  فرجلـُنا من الذين يهتمون بنا نحن المساكين.. الذين لا ينقصنا إلا مكيف الهواء.... (مش شوري.. فهذا رأي الراجل).
كان حديث نعمة أو لا أدري كيف تقال.. وكما هو معروف عن حديثي النعمة.. فإنهم لا يتركون فرصة.. لا بل إنهم دائماً ما يتحينون الفرص ويخلقونها لإخبارك بما كلفتهم إياه حفلة عيد ميلاد ابنهم الصغير.. أو ثمن هدية نجاح مدفوع الثمن لابنهم الكبير.. أو بما  و بما وبما ...... أما رجلـُنا  فهو متيم بساعته الرولوكس.. وكان ما إن يستقر بجمع من الناس.. حتى يتحين فرصة لاستعراضها أمامهم والتباهي بها وبثمنها ( اللي مش تاعب فيه).. رولوكسه تلك التي لم يكن مقدراً لها أن تستقر علي يسراه لولانا نحن وصمتنا الفاضح واستكانتنا المثيرة للقرف, فكم من ظالم أعطيناه الأسباب ليزيد في غيه.. وكم من سارق أعطيناه بأيدينا قوت أطفالنا.. وكم من فاسق مهدنا له الدرب نحو أعراضنا ليهتكها.. آآآآآآآآآآآآآآه وكم زدنا (طينتهم بلة) أولئك الذين تحسبهم أغنياء من التعفف.. بسبب سلبيتنا تجاههم وقولنا ( تي مغير يالله.. ننستر مع روحي) ..... (هذا راي خالي).
نعود إليه.. رجلنا الذي لا يزال منتظراً خروجها متبرجة بدواء طفل.. عجز أبوه عن تسديد ثمنه.. بعشاء يتيم سكن الجوع جوفه.. بأمل يائس انطوى في زاوية غرفة مظلمة ممسكاً ملف أوراقه بيمينه . لا يزال ينتظرها ولكنه عاد بذاكرته إلى صباح هذا اليوم الرائع في مكتبه الفخم ذاك.. جالساً على مقعده الوثير.. الذي ما إن يستقر عليه حتى تتماسك أذرعه الشقية تلك.. في محاولة مستميتة.. لمنع تسرب كتلة الشحم من بينها وخارج حدودها.
'راني سو تايرد منبيش حد'.. أخبر تلك التي لم تنم ليلتها بكاءً وحسرةً على نفسها, لماذا؟ طبعاً بسبب رجل (ما) كانت تظنه حبل النجاة.. الذي سينتشلها من قاع مدينة.. مُلئت بالنساء.. نساء يُعانين آلاماً مُزمنة في الرقبة, تتساءلون لماذا؟ لأنهن دائماً ينظرن إلى الأعلى.. منتظرات نزول حبل نجاة ينقذهن من شفقة, كل أولئك اللائي أُنعم عليهن برجل.. أعطى لحياتهن معنى وزاد سعادتهن.. حتي يُتخيل إليك وأنت بحضرتهن.. أنهن يُلامسن السماء من فرط السعادة والهناء, أولئك اللائي يتعطفن على قليلات (البخت) بدعاء من قلوبهن الراقصة فرحاً (ربي يجبر بخواطركن.. ويوقف سعدكن) وكأن معشر النساء فقط خُلقن للانتظار, انتظار رجل (ما) أو دعوني أقول سابقةً قولي.. باعتذار لمعشر الرجال.. انتظار ذكر نافية عنه صفة الرجولة.. هذا إن اعتبرتُموها  صفة ملازمة لكل ذكر ينتمى لعشيرتكم المنتظرة.. (هذا رأي أختي اللي مش عاجبها حد).
(صار سو تااااايرد) ردّدت تلك صاحبة العيون الحمراء.. من كثرة البكاء (واللهي ما امتعبك إلا رطرط الشحم اللي شايلاته كرعيك.. ياناري عليهن) قالتها بغضب لا يناسب إلا خادمة.. واستسلام لا يليق الا بنعجة.. مرّ نصل سكين فقطع حبل وريدها.. فأسال الدم القاني وسط تهليل أطفال يصيحون: 'هيييي ماتت يا باتي.. ماتت).
عذراً.. لأني انحرف بكم عن أحداث صباح صاحبنا.. المهم أنه جلس وراء طاولة.. تراكمت عليها أوراق.. وضعت هكذا مبعثرة هنا وهناك.. لا لشيء إلا لتترك انطباعاً لدى الداخل لتوه.. بكثرة انشغال من يجلس وراءها.
وسط رنين أجهزة الهاتف بأشكالها وأنواعها المختلفة.. استقر صاحبنا على كرسيه مشدوهاً إلى شاشة على جهة اليمين منه.. كان مستغرقاً في النظر الي شيء ما.. يتصبب عرقاً وترتجف أوصاله.. ويتتمتم بكلمات غير مفهومة.. تكاد تلامس شفاهه.. حتى ليخيل إليك بأنه شارف على الموت.. ولكنني عندما دققت في نظرته تلك.. رأيت موت من نوع آخر.. إني أرى نشوة فاسق انتهك عرضاً.. حسرة وعشق ذئب لفريسة يراها ولا يملك إليها يداً (ع الأقل توا) , قطع جلسته ذلك البائس اليائس.. الذي حدثتكم عنه سابقا.. أتذكرونه؟ ذاك الذي انطوى بزاوية غرفة مظلمة.. أجل دخل عليه حاملاً بيمناه (ملف أوراقه.. عشان يقدم علي شغل) ومُطبقاً بيسراه علي شيء.. لا أتبينه الآن (السلام عليكم.. جيت انقدم اوراقي عشا.........) قاطعه صائحاً به (انت كيف خشيت هنا.. هي وكالة من غير بواب.. اساساً البني آدمة اللي برة.. كيف دخلاتك من غير ما تقولي).. تفضل يا سيد برة.. مشغول توا مش فاضي تعال الاسبوع الجاي) تزامنت كلماته الأخيرة مع حركة رشيقة من يده اليمنى رافعاً سماعة الهاتف ومخاطباً ( راقدة الريح اللي برا): ( مخصوم منك اسبوع.. عشان تتعلمي الذوق ومدخليش حد بلا اذني).. وانت مازلت قاعد؟.. تفضل برة ياسيد.. وتعال الاسبوع الجاي).. جاراً نفسه خارج المكتب الفخم ممسكاً ملف أوراقة بيمينه.. ومطبقاً بيسراه على شيء.. لن أتبينه أبداً.. اتجه البائس اليائس لزاوية غرفة ازدادت ظُلمة.
آه ياحبيبتي الجميلة.. قالها وهو يرتجف ولا أدري لماذا؟ وللعلم، فهو لم يكن يعرفها جيداً.. فقط منذ ساعات قليلة خلت.. ولم يكن يعرف لها اسماً ولا وطناً.. غير هذه الشاشة.. ولكن ذلك لايهم.. طالما أنها تتحدث لغة يفهمها من هم على شاكلته.. (مش عارف رأي من هذا؟).
دقت الثانية.. آه يا لحسرته.. فسيضطر لترك جميلته لساعة أو ساعتين.. بحسب الوقت الذي سيأخذه الاجتماع الذي دُعي إليه بصفته لا بشخصه.. لمناقشة سير أمور العباد.. وآآآآآآآآآآآهٍ ياحسرتي عليهم.
اخيراً وتحت تأثير ذكرى حبيبته الجميلة.. لم يستطع إلا أن يطلق منبه السيارة بقوة ويتمتم بكلمات أخجل من أن أوردها لكم.. أخيراً خرجت متبرجة متعطرة غاضبة(تي باهي.. وانت ديمة امركب عليا.. لو كان يبيعو في وسعة البال كنت شريتها لكي يا بيبي) فتحت باب السيارة جلست على الكرسي المجاور لكرسيه.. تحركت السيارة متجهة الي ذلك البيت الذي تجتمع فيه نسوة.. يمسكن بفناجين قهوة.. حُلت بدماء البؤساء منا.. (هذا رأي الفلبينية اللي ظهرها انقسم م التعب).

من منا يقوى؟

تقديم:
تتلاحق الأحداث وتتسارع .... تسلبنا الأيام لحظات لا تعوض فنستنزف ذكرياتنا ونضيع وسط ضباب أحلامنا فتتقاذفنا أمواج اليأس ويتلاعب بنا الأمل؛ يزيف لنا الوهم حكاية أخرى,وتصدمنا الحقيقة بوهم آخر, نمضي ولا ندري أين وجهتنا ..... فنتلاشى وسط الزحام.

انتابها ألمٌ مزق قناع سعادتها؛ ذاك الذي كانت تحرصُ أشد الحرص على أن تضعه وأن يكون مُلازماً لها منذ لحظة استيقاظها لتجد أختها تُقابل مرآة تتوسط جدار غرفة يتوزع فيها أثاثٌ ضاع في زحمة ألوانٍ تتناقضُ تناقُضاً جميلاً مع طلاءِ جدرانٍ رمادي وسجادةٍ عتيقةٍ تُشابه لون رمال البحر لحظة لقائها بموجة تضرب وجه ذاك الواقف أمامها مُنتظراً ربما عبور سفينة الأمل ليحجُز مكاناً لروحه التعيسة.
ها هي ذي تنهض من سريرها دار مبيتها ومخزن ألمها لتتقدم ناحية تلك المُنهمكة في وضع قناع من نوع آخر لتُلقي عليها تحية صباح لم تسمع لها ردا حتى الآن.

استقرت على كرسي يُقابل نافذة أطلت على شارع مزدحم بخيام بُنيت وأضواء وزينة عُلقت ابتهاجاً وفرحاً بزواج ابنة الجيران.

تبادر إلى ذهنها أول ما تبادر صورتها تلك بثوبها الأبيض وهي تمسك بيد رجل (كان) , ولكنها سرعان ما طردت تلك الصورة فهي لم تقوى بعد على محو ألم الفراق, ولكن ومن منا يقوى.

لم تكن ممن يُوصفن بالجمال السالب للألباب؛ وأيضا لم تكن ممن يخطُفن الأنظار ببشاعة مظهرهن كانت فتاة مثل أولئك اللائي تُقابلهُن في طريقك صباح أو مساء كل يوم مثلهن في كل شيء إلا أنها لحظة تمعنك في النظر إليها يُخيل إليك أنك ترى شبحاً !! كانت جسد تستره الثياب ووجه يُغطيه الوجوم ولكن عينيها أجل عينيها تقولان الكثير, أكثر مما يجب أن يُقال وأصعب مما قد يُفهم.
أحبته حتى تسنى لها في كل لحظة أن تشتم عبير أنفاسه المنقطعة وتنعم بنغمات صوته الواهنة التي تنادي اسمها من مثواه الأخير, أن حبيبتي ألن تأتي؟ فلا تملك لحظتها إلا أن تلبي نداءه لتجد نفسها تُزاحمه قبره بروح ذائبة وقلب منكسر.
فقط أريده الآن: كلمات حدثت بها نفسها وهي قابعة على كرسيها المُقابل لنافذة أطلت على شارع مزدحم بخيام بُنيت وأضواء وزينة عُلقت ابتهاجاً وفرحاً بزواج ابنة الجيران, استفاقت من خلوتها تلك على صوت أختها يُكرر ذاك السؤال الذي لم تعرف كيف تُروض حروف أبجديتها لتقول إجابتها عنه
سألتها تلك التي أكملت زينتها واستعدت للخروج بكامل أناقتها المُؤذية للنظر: (شني نقول للراجل اللي مكلمني عليك)؟ ورددت سؤالها ثانية: ( شني نجاوب الرجل اللي مكلمني عليك, راهو والله كويس وشاريك وبعدين الحي ابقى من الميت انت بكرة تكبري وتبي حد يونسك تزوجي الله يربحك الراجل ما ينسيش الا راجل وافقي وريحينا عليك سلم خيتي باش تلاقي عويلة تنسندي عليهم في كبرتك) عندها نظرت في عينيها وهي في طريقها لدار مبيتها؛ لمخزن ألمها نازعة عنها قناعها وأخيرا أجابتها: (اللي ينطلب القلب , وانا معنديش قلب)؟؟؟
لا بل كان لي, كان لي, كان لي , ولكنه ذهب من دون أن يُكلف نفسه عناء النظر خلفه لينظر ماذا ترك وراءه, هكذا وضحت لنفسها إجابتها لتلك التي لا تزال هناك واقفة تنظر إليها وهي تستلقي على فراشها وتتكوم على نفسها وتغمض عينيها في محاولة فاشلة لتمنع تسرب دموع استقرت على وسادتها لتقابل مثيلاتها مما انهمرت سابقا قبل أن توقفها بوضع قناع سعادة زائف
كانت على يقين تام بأن ما من سبيل إليه إلا اللحاق به, وأخيرا كانت قادرة على إجراء ذلك الاتصال..... فما بين معاناة ألم فراق لا يرحم ولهيب نار شوق لا ينطفئ وجدت نفسها تُحدث موتها: أن خُذني إليه؛ خذني إليه .........

في حضرة سكون الموت اندفع, انطلق صراخ أختها بعد أن اقتربت منها وهزتها, نادت عليها ولكنها علِمت من تلك السكينة التي زينت وجهها أنها ذهبت إليه ولم تمنعها علب الدواء تلك أن تكون معه لحظتها.

زُفت على صوت الصراخ الذي جمع الناس في ذلك الشارع المزدحم بالخيام التي قُدر لها أن تكون خيام فرح تلك المُعذبة المُكومة على نفسها في وضعية جنين لم يقوى على فراق رحم أمه........ ولكن ومن منا يقوى؟.