الثلاثاء، 20 ديسمبر 2011

معطف المطر

بقلم هشام بن صريتي:


معلقا ً أظلّ في خزانة النسيانْ..                           
أقتات بالظلام والأحزان..                                 
أصادق الفراغ والضجرْ..                                 
معلقا ً أظلّ بانتظارْ..                                      
برقية ً.. رعدية ً..                                          
تأتيني من مكاتب السماء..                                 
عن اقتراب موعد الشتاء..                                 
عن هجرة الطيور..                                         
عن رحلة الشحوب في مجاهل الغمام..                    
وعودة النقاء..                                               
بنكهة المطرْ..                                               
فتذكرين ذلك الاٍنسانْ..                                       
فتخرجين- من خزانة الثياب- ذلك الاٍنسانَ                   
تلبسينهُ..                                                      
يحيط منكبيك-يا صديقتي- بالدفء والامان..               
حتى اٍذا ما كانْ..                                              
تموز في ثيابه القصيرة الأردان ِ                             
تنتضينهُ..                                                      
وتهرعين تبحثين عن.. ما بهرجت ألوان..                      
وطرزّ السهر..                                                   
ومعطف المطر..                                                
معلقا ً يظل ينتظر..         

الجمعة، 16 ديسمبر 2011

من وحي يوم كئيب

لماذا نتكلم والصمت عادة يقول عنا الكثير؟

**********
من على بُعد شارعين رأيته  ..... أول الأمر لم أميزه ولكنه هو ودون أدنى شكٍ في ذلك, حبيبي القديم العابث , الساخر من كل شيئٍ وأي شيئ , لم يقوى يوماً إلا على إيذائي ولم أقوى يوماً إلا على حبه فأصبحنا ندور في حلقة مفرغة أولها ألمٌ وآخرها أننا التقينا هنا أخيرا وعلى بعد شارعين فلم يكد أحدنا يميز  الآخر.

********** 
في يوم ما, في مدينة ما, في وقت ما, رأيتهما هناك عند تلك الزاوية المضاءة بوهج خافت
أحدهما كان ينتحب أما الآخر فينتحب في صمت ظاهر, قادني فضولي لان أقترب... واقترب واحاول خلسة ان استمع او حتى ألتقط حتى ولو كلمات بسيطة مما يدور بينهما من حديث.
ازدادت حدة البكاء وارتمى احدهما بين ذراعي الآخر, وعلا صوت النحيب, فلم أتمالك نفسي عن ذرف دموع لم استطع منع هطولها, فقد مس ذلك المشهد اعماق اعماق ذاكرتي.
كنت هناك ايضا في زاوية ما مضاءة بوهج خافت, في وقت ما, في مدينة ما, في يوم ما, وكان هو هناك مُمسكاً بيدي ويحاول جاهداً ألا يفلتها ولكني كنت اعلم بأني سأذهب ولن انظر للخلف ابدا, فحتى وإن تركتُ قلبي هناك عند تلك الزاوية, فقد كان لزاما علي ان انقذ ما تبقى من روحي الذي تعذب بسبب رجل علِم أخيرا بأنه حقا أحبني, ولكن وللأسف الشديد فإننا كبشر لا نعرف قيمة الاشياء الا عندما نفقدها
حبيبي ذاك وفي الوقت الذي استطاع فيه اخيرا ان يراني, كنت انا ابتعد ... ابتعد ... وابتعد اكثر, حتى باتت المسافة بيننا اكبر من نطويها بالرغم من اننا الان نقف هناك متقابلين يمسك احدنا بيد الاخر في يوم ما, في وقت ما, في مدينة ما, في زاوية ما يبدو انها مضاءة بوهج خفيف ولكنها كانت بالنسبة لي اكثر ظلمة من ليلة غاب فيها ضوء القمر.




 



مطر

أعتقد بأني خبرتُ الحياة؛ لم يُحدثني عنها كتاب ولا إنطباعاتي المُتناثرة بل أعرفُها وجهاً لوجه، إنها رهيبةٌ بتفاصيلها وتفاهاتها وحتى بتلك اللحظات التي تتكون منها الاعوام فكلما ظننتُ بأنها اكتفت مني أجدها تكويني بنارها مجدداً وبقوةٍ أكبر وكأن لها معي ثأر لم ينتهي بعد، أنا لم أطلب منها الكثير ولكني تعلمتُ الآن وبقسوةٍ ألا أطلبها شيئاً أبداً.
يا من كنت صديقي؛ يامن لن يكون مقدراً له أن يقرأ كلماتي هذه لأنه ليس ضمن قائمة أصدقائي هنا, ياصديقي؛ يا من عندما كنت أرى طيور الحزن والكآبة ترفرف فوق رأسه, تصيبني كآبة وحزن وأحاول جاهدة ألا أركض إليه وأضعه بين ذراعي كطفل صغير وأهمس في أذنه أن لابأس صديقي فكل شيئ سيكون بخير.
يامن كنت صديقي الذي طالما أخبرته بأنه يُشبهني (إلى درجة الصدمة), ياصديقي الذي أهداني وردة حمراء (عربون مودة قادمة) , ياصديقي الذي تغلغل في دمي واستقر بين أوردتي, ياصديقي الذي لم أكن أعلم يوماً بأنه في هذه الحياة أناس نكون قادرين على أن نُخصص لهم هذا القدر الهائل من الحب دون أن ننتظر منهم شيئا ولم نفكر ابداً بأن ننتظر.
يا صديقي الذي لم يمل يوما بأن يدعوني للذهاب معه لحديقة غناء, ولكنه لم يفهم ابداً بأني كنت أعلم جيداً بأنه لا يملك شيئا ليعطيني اياه, ياصديقي الذي حتى الآن لم استطع أن اذرف الدموع بسبب ما قاله لي بالأمس لأن البكاء والدموع الآن ترفٌ لا أقوى عليه مُقارنة بما أشعر به من ألم وخواء
يا صديقي؛ يا حبيبي الذي معه تعلمتُ أن لكلمة ( ثقة ) معنى أكبر من حروفها الثلاث ولكني أيضا تعلمتُ كيف كان باستطاعتي أن أكون وأن أبدو حمقاء.
يا صديقي الذي وإلي الآن أُناديك صديقي, يامن لم تجد شيئا لتقوله إلا ( خلاص مش حنحكي معاك مرة تانية) أتعلم بأن كلماتك تلك فعلت بي فعل البلاء؟ ياصديقي الجُرح يُؤلم أكثر عندما يتسببُ به الأحباء.
يا صديقي الذي لم يعد يُريد البقاء ولا أعلم إن كان ينوي حقاً, أشعر الآن بأني حمقاء بلهاء فبعد كل شيئ انتهيتُ إلى لا شيئ.
******************
أتعلمين أي حزنٍ يبعثُ المطر؟ وكيف تنشج المزاريب إذا انهمر؟ وكيف يشعر الوحيد فيه بالضياع؟ بلا انتهاء, كالدمع المراق, كالجياع كالحب كالأطفال كالموتى هو المطر .. مطر .. مطر .. مطر .. مطر
******************
وكم ذرفنا ليلة الرحيل من دموع .. ثم اعتللنا خوف أن نُلام بالمطر .. مطر .. مطر .. مطر

الأربعاء، 16 نوفمبر 2011

لست وحدك

تتقاذفه أمواج أفكار وخواطر تجول في قلبه، تقذفه يمينا ويسارا وتارة تغمره فيصارع جاهدا ليبقي رأسه مرفوعا ليتمكن من أن يتنفس هواء مبتل بمياه بحر افكاره الذي امتزج بماء غزير ينهمر من عينان تائهتان حتى لتكاد تجزم أنه رجل يغرق في دموعه

صديقي هذا يقول الكثير ويُتمتم بالأكثر؛ تفهم من كلماته القليل وتتجاوز مُكرها عن الكثير الذي تكاد تجزم أنه طلاسم يُهيأ لك أنه هو نفسه يحاول فك رموزها.

ضاعت بوصلة اليقين في نفسه فلم يعد قادرا على تحديد شماله الذي يغدو يوما بعد يوم و دون أن يدري أكثر قربا ووضوحا حتى أنه لا يلحظ أن نورا ساطعا بدأ يشرق هناك بالقرب منه وعلى مقربة من بوصلة ظنها ضاعت.

صديقي لاتجزع فأنا ايضا اتخبط بين أفكار وخواطر وأحاول أن أنزع فتيل أزمة تكاد تشتعل بين قلب يريد أن يتنفس وعقل تعلم بقسوة أن يحترس.

صديقي تغمرني مياه بحر امتزجت بدمع سخي ينهمر من عيني التائهتين وأنا جاهدة أبقي رأسي مرفوع ولكن ياصديقي؛ صديقتك توشك على الغرق.


ملاحظة: لكل أصدقائي التائهون
في اماكن كثيرة وحتى بعيدة كل البعد عن كل من وما قد يشعرنا بالضياع ... ببساطة أقول انه هنا بين دقات قلبك ذلك الذي تشد الرحيل بعيدا عنه, فأن أين المفر؟


الأربعاء، 19 أكتوبر 2011

عتبات

مر وقت طويل قبل ان تبدأ حديثك معي, حديثك لي, ذلك الذي لطالما تمنيت عليك ان نتشاركه, مر وقت طويل قبل ان افهم انك فقط كنت تحاول ان تمضي بي في درب مأمنة من كل ما قد يشوب صفو حياتي التي كنت انت الشاهد على كل العثرات, والثغرات , والاحزان, والدموع التي ملئت تلك الفراغات الهائلة التى ابتلعتني مرات ومرات كثيرة.
عزيزي لكم اشتقت الى لحظات الصفاء هذه التي نعيشها الان ودون سابق تخطيط او انذار انني فقط سعيدة سعيدة بهذه الحالة القديمة الجديدة التي اعيشها معك الان لحظتي هذه, ارجوك ألا تكرر كلامك ذاك الأن فأنا اعلم اني مخطئة, مذنبة ولكني لا اقوى على الرجوع الى الوراء ولست اريد الرجوع.
اجل خضنا هذا الحديث مرات ومرات كثيرة سابقة واجل كنت انا سبب هذه الكآبة التي تلف ملامح وجهك بلونها البائس البارد الذي طغى على كل ما عداه من الوان الحياة المبهجة التي والى الان لم ارى منها الا سوادا يحاول جاهدا ان يهزم بياض امل يسعى بكل ما اوتي من قوة ان ينجو بي من قاع تلك الفراغات الهائلة التي ابتلتعني مرات ومرات كثيرة.
قلبي العزيز المعذب والمُعذب, يا شريكي في كل ليل آنستنا فيه دموع غزيرة, وشاركتنا فيه هموم كثيرة, وغيبتنا فيه احزان طويلة, يا صديقي , يا حبيبي لعلني هذه المرة ايضا مخطئة ولكن لا ضير يارفيقي من التجربة.
اجل انه ذلك القادم نحوي حلم ربما سيكون واقعا لطالما تمنينا سوية ان ننعم به ولكن حبيبي اذا كان حلمي هذا كابوس آخر فأرجوك .. أني ارجوك منذ الأن أن لا تلمني ولا تخبرني ابدا بأني مخطئة ,,,, فيا صديقي اني فقط متأملة.




السبت، 20 أغسطس 2011

طفلي كان

طفلي كان ... لكنه هناك سُجى ... جسده الصغير الذي حمل أثر جرح واحد.
طفلي كان .. خرج يومها ... ولكني وعلى غير عادتي لم انتظر عودته فقد علمت مُسبقا ... طفلي لن يعود ... لن يعود ... فعند احد أسوار الكتيبة ..... طفلي قضى.
سألني طفلي ... صباح ذلك اليوم الذي لم يعُد فيه سألني:  أمي هل لك أن تأخذيني إليك ... ضميني ودعيني أتنشق أنفاسك الحارة لتزيد من حرارة غليان دمي ... اخبريني أمي بأن الغد لي ... الغد لنا ... هنا ... في ليبيا جديدة ...
أمي ذاهب أنا .. ولكني عائد بإذن الله إليك ... كعادتي هذه الأيام متأخراً جداً فانتظري قدومي واعدي لي عشائي فسأكون عندها بأمس الحاجة لطعامك الذي امتزج بأنفاسك ..... وتغلغلت رائحته الشهية بثيابك الرثة.
ولكن هناك وعند احد أسوار الكتيبة ... تلك الليلة .... طفلي  تلقى رصاصة ... رصاصة واحدة لم تُمهله الوقت لكي يتناول عشائه ذاك الذي كنت على يقين بأنه لن يتذوقه ... ولكني وعلى كل حال أعددته ... بكل الحب ... والدموع ... والآهات أعددته لك طفلي ... ولكنك لم تأتي ... ولن تأتي ..... وقد بات ذلك الأمر واضحاً ... جلياً في دموع صديقك ذلك الذي ما إن راني حتى انهار هناك عند مدخل بيتنا الذي رسمت على جداره علم الحرية وكتبت بخطك وبأخطائك الإملائية هذه الكلمات (الشعب ..... يوريد ... اسقط .... العقيد ).
يا أم علي .. اسُتُشهد علي  ... يا أم علي ... يا أم علي...... يا أم علي.
علي .. طفلي ما يزال ..... وشهيد الوطن سيبقى.



الخميس، 21 يوليو 2011

جسد

من على متن سرير استقر بغرفةٍ اكتظت بأربعةٍ من الأسرةِ الهرمةِ غيره؛ أسرةٍ ضاقت بغرفة كئيبةٍ بألوانها الباهتةِ وأثاثها الباعثِ على الأسى, من على متن ذلك السرير جلست هناك لتزيد أو لعلها كانت سبب موجة الحزن التي وما أن تطأُ قدماك الغرفة حتى تهاجمك وتجتاحك لتزلزل كيانك.
واجمةٌ بعيونٍ خائرةٍ لا تقول الكثير, ولكن الكثير مما عانت انعكس على ملامحِ وجهها الدقيقة, فترى فيما ترى .. أعاصير هَدمت ورياحٌ اقتلعت روح تلك الروح البائسة الساكنةِ في جسد تلك الفتاة التي عذراء كانت.
أربعة كانوا .... وما إن دخلوا البيت حتى عاثوا به فساداً؛ وبسُكانه انتقاماً؛ ومنها هي فتاتنا إرتواءاً, وبين كلماتٍ كثيرةٍ اخترقت سمعها وأصوات صراخ عقيمة اقتلعت قلبها كانت هي هناك وسط بيتٍ كان بيتاً ,كانت هناك جزءٌ من الحدث تُصارعُ أربعةً من الكتائب وتنال نصيبها منهم، كتائب الأمن أو هكذا سُميت ولكن شتان شتان بين الأمن وسلب الأمان.
على وقعِ هذه الذكرى التي تتجسدُ أمامها في كل حين وحين بقيت هناك واجمةٌ خائرةُ القوى وقد تَوَسَم جسدها بآثار أربعةٍ كانوا يتصارعون عليها: أيُهم يروي ظمأهُ أولاً, أيُهم يكسر روحها أولاً.
عجوزٌ تنتحب وقد غطت دماءٌ سالت واختلطت بدموع لا تزال تسيل؛ غطت ملامح وجهها الثمانيني إلا أن تلك المُمددةِ وسط غرفةٍ تعمُها الفوضى والدمار, تلك المُمددة التي لا يستر جسدها إلا كدماتٍ لونت بشرتها بجميع ألوان الطيف القاتمة استطاعت أن ترى وجه عجوزها تلك, لا بل استطاعت أن تُميز كلمةً ارتسمت على صفحة وجهها ... العار ... العار .. العاااااااااااار.
قاطعت ذكرتُها تلك فتاةٌ ربما كانت بمثل عُمرها؛ اقتربت منها وألقت على مسامعها تحيةً ما ... واستها بكلماتٍ ما ... قدمت لها هديةً ما .... ثم اخيراً لوحت بيدها اليُمنى وغادرتها إلى مكان ما.
أصواتُ أسلحةٍ ومدافع؛ رصاصٍ ربما كان وقنابل؛ صراخ أمهات كعجوزها واستغاثاتُ فتياتٍ مكلوماتٍ كحالها, هنا وهناك .... خراااااااب؛ وخراب هو كل ما هنالك؛ وعذراءُ صارعت أربعةً من الكتائب ومن على متن سريرها ذاك تُصارع ما حُفر في ذاكرتها من أحداثٍ مؤلمةٍ, على يمينها فتاةٌ مثلها ؛ وعلى يسارهما فتاةٌ أخرى مثلهما .... عذراء كانت ولكنه في يوم ما ... من شهر ما ... امتلئت الأجواء برائحة الرصاص والحقارة؛ وكان أربعةً من كتيبة ما .... تحت إمرةِ عقيدٍ ما ... استباح جسد وطن ما ... أربعةً عبثوا بجسدِ فتاةٍ ما لا يقودهم شيئٌ إلا غريزة الحيوان؛ ولا يوقفهم شيئٌ حتى ذكر الرحمن.
ضاقت بها ... فتاتنا ... تلك الغرفة ذات الألوان الباهتةِ والأثاث البائس؛ فاقتربت الجدران الأربعة منها كثيراً ؛ ودنا السقف من رأسها أكثر, فلم تملك إلا الصراخ والصراخ أكثر ..... صرخت حتى اختفى صوتها.... تزاحم عليها هذه المرة أيضاً أربعة يتشحون بالبياض, أحدهم أمسك بذراعيها والآخر طوق خصرها, ثالثٌ تمكن من رجليها أما الرابع فغرز إبرةً مهدئةً في وريد يدها اليمنى ........
ارتخى الجسد الملون بألوان الطيف القاتمة واستسلمت العيون الخائرة الباكية , إلا أن أربعة من الكتائب لا يزالون هناك في مكان ما يتصارعون, أربعةً في صورة انسان ولكنهم أقرب في سلوكهم إلى الحيوان ويتعففُ من فعلهم الشيطان, أربعة يتصارعون على فتياتٍ أُخر مثلنا .... فتيات عذارى ما يزلن.



السبت، 9 يوليو 2011

حبيبتي مصراته



هناك أنت ... بين رصاصِ الأسلحةِ وبين صرخاتِ الأطفال واستغاثات النساء ؛ بين آهات الرجال المكبوتة وبين دعوات العجائز المسموعة اللحوحة .... هناك أنت، ولا ادري إن  كنت تتنسم هواء حرية تدفق مع نسائم شهر فبراير .. أو لعلك تكون ممن تقلد المجد وارتاح هناك تحت الثرى .
غريب كيف تتبدل أهوائنا وتتغير أمزجتنا وتميل قلوبنا تارة هنا ... ودهراً هناك، هناك حيث لا شيء عدا الموت المندس بين أزقة الطرق المهجورة التي فاضت برصاصات انهمرت على أولئك المُتجمهرون الغاضبون رافعي رايات الحرية بألوانها الثلاث؛ حمراء... سوداء... خضراء.....
هناك أنت، حيث تبدل الزمان وتغيرت كل ملامح المكان ... هناك تهدم بيت لنا ... بيت لم ترتفع أسواره إلا في مخيلتنا أنا ... وهو... وسط حجرة نوم أطفالنا التي زيناها بألعاب تبعثرت هنا وهناك ووسط زحام الأَسِرة الكثيرة .. أَسِرةِ صغارنا الذين أرَدتهم كُثر... أطفال كُثر، هناك تحطم بيتنا وقُتلت قططي الجميلة ... تلك التي كانت سبب خلافنا الجميل وصُلحنا الأجمل تحت ظل تلك الشجرة التي لطالما ارتوت حتى الثمالة من عذب ماء حبنا الذي اخضرت به ارض حديقتنا الصغيرة .. هناك هدموا بيتنا فوق رؤوسنا لا لشيء إلا لأنه حمل راية الحرية  تلك  بألوانها  الثلاث: حمراء ... سوداء .... خضراء، تلك التي علقناها هناك أنا وأنت على احد أسواره ... هناك أنت.
تقطعت بي السُبل هنا في مدينة كانت شرارة نار استعرت فأكلت اخضراً لطالما استبد فطغى؛ هنا أنا في بنغازي ... وهناك انت بمصراته الرائعة الصامدة ، آه لكم تبدو المسافات طويلة .. وآه كم تمر الأيام ثقيلة .. وآه من القلق إذا استبد ومن الشوق إذا اشتد.
بي حاجة للبكاء ... عيناي تحتقنان بدموع حارقة، وعلى صفحة وجهي المُتخم بالحزن ارتسمت ملامح وجهك الذي أرى أن الشوق والحزن معاً فعلا به الأفاعيل فلم أجد لي بُداً من أن أطلق العنان لدموعي .. فإذا بها تزيد من سعير نار مُتقدة تلتهم قلبي المتعب من الانتظار ... فأين أنت؟
اكتب إليك بعد ان تقطعت كل وسائل الإتصال بيننا فلم يبقى لي إلا ورق وأقلام تجر أحرف الشوق ورائها متعبة, ينوءها الحمل ولكنها لأجلي تفعل ذلك بكل سرور وحبور، اكتب إليك وأنا أعلم أن ما من سبيل لكي تصل كلماتي هذه إليك ولكني وعلى كل حال سأكتب ربما لأني متأملة وأيضا متمنية أن تُطفئ هذه الكلمات أو أقلها أن تُخفف من سعير نار تضطرم بداخلي وتأكل أحشائي كلما جال برأسي أنك هناك بين الرصاص والقنابل ... بين الموت والعدم ؛نار مُتقدة تلتهم قلبي المتعب من الانتظار.
فليتوقف الرصاص ساعات فقط، ولترجع حياتنا لسابق عهدها حتى ولو لدقائق فقط لا لشيء إلا لكي أتمكن من الاتصال بك لأخبرك أنه ذاب وتغلغل فامتزج مع نخاع العظم ،شوقي إليك ... فأين أنت؟
هناك مع من تقلد المجد وارتاح تحت الثرى ؟ أو لعلك ممن يصنعون مجدها الآن .... مصراته  فوق الثرى ...... يا حبذا.

 05.07.011



الأربعاء، 16 فبراير 2011

فيروز

أجابها الآخر, ذلك الرجل المنتعل الحذاء المطاطي أصفر اللون, أجابها : لليمين قُبالة المركز التجاري ستجدين ضالتك سيدتي؛ شكرتهُ وتوجهت حيثُ وُصف لها  ولكنها لم تكن تدري ما ينتظرها ولا ما سيحدث بمجرد دخولها هناك , كان لديها شكوك حيال حالتها الصحية ولكنها كانت بحاجة لرأي اختصاصي في ذلك.

وقفت أمام المبنى بقدمان مترددتان ويدان ترتعشان فهنا داخل هذا المبنى ستتقرر حياتها, تمتمت ببعض ما تحفظ من أدعية وصلوات وعقدت العزم ودخلت خلف الباب الرئيسي لتجد نفسها في ردهة واسعة صُفت بها كراسي في ثلاثة صفوف جلست عليها نساءٌ بوجوهٍ مترقبة خائفة ولكنهن مثلها قانعات بواقع حالهن.

توجهت ناحية تلك المبتسمة للجميع؛ تلك التي تمضغ قطعة كبيرة من العلك الأخضر وتتناثر من فمها هنا وهناك كلمات متداخلة وتجوب المكان بعيني صقر يترقب فريسة, وهاأنا الآن أراها تصيح بتلك العاملة ( التقطي تلك الورقة أمامك أحسني عملك هيا بسرعة) ثم عادت تتصنع اللطف بابتسامتها الزائفة تلك لوجه صديقتنا المقتضب  وقالت: بماذا أخدمك عزيزتي؟ ألديك موعد؟ فنحن لا نستقبل الحالات إلا بموعد مسبق؛ سأحجز لك موعد بالغد فاليوم جدولنا مزدحم اسمك عزيزتي
لدي موعد بالفعل اليوم لإجراء صورة MRI رقم الحجز: 8
راجعت تلك شاشة الكمبيوتر أمامها بعد أن ضربت على لوحة مفاتيحها ثم قالت ... أجل أنت مريضة الدكتور عمر, تفضلي للغرفة رقم 5 وأنا سأعلم الدكتور بوصولك
صديقتنا امرأة لم تتعدى الثلاثين إلا بسنة أو باثنتين , عزباء عاشقة تنتظر رجل وعدها بأن يعود .... ولكن هل سيعود فعلا؟

وقفت فيروز أمام الغرفة رقم 5 .... طرقت بابها فأجابها صوت بالداخل أن تفضل, ولكنها تجمدت هناك لدقيقة أو اثنتين وشردت بأفكارها إلى ليلة الأمس عندما انتابها ألم فظيع تكرر معها مرات؛ ومرات كثيرة مؤلمة خلال الأشهر القليلة الماضية ولكنه هذه المرة ازداد سوءاً حتى أثر بنغمة صوتها المتهدج فسألها ذاك المتحدث من الطرف الآخر للأرض ذلك الرجل الذي أكملت الليلة سنواتها الثلاث وهي تنتظره, سألها: ما بك فصوتك تغير ... ظنها تبكي شوقا فهون عليها وقال قادم أنا أعدك قادم؛ فقط عام آخر وسنكون معا, كانت إحدى يديه تمسكان بهاتف يحدثها من خلاله ويده الأخرى تداعب شعر سمراء تُداعب وجهه بيديها الملطختين بالخيانة.
أقفلت فيروز سماعة الهاتف بعد أن طمأنت حبيبها أن لا بأس لا تقلق فقط صداع ألم بي, سأنام وسأكون بخير لا تقلق حبيبي, ولكنها يقينا علمت أنها ليست بخير أبدا وعندها استجمعت قواها واتصلت بالدكتور عمر لتخبره أنها قادمة إليه بالغد لتجري الصورة التي طلبها منها.

استفاقت فيروز على صوت الممرضة أمامها بعد أن فتحت الباب الذي طُرق وأجابتها: تفضلي
لدي موعد اليوم لإجراء صورة M ..... 
فقاطعتها الممرضة قبل أن تكمل كلامها: أجل لقد أُبلغت من الاستعلامات بقدومك, تفضلي
تمالكت فيروز نفسها  وتنفست بعمق وأجبرت قدميها على دخول الغرفة ... خلعت ثيابها واستبدلتها بثوب طبي... نزعت عنها قطع حليها  .... تمددت داخل تلك الاسطوانة البيضاء , فُتحت الغرفة مرة أخرى ودخل الدكتور عمر صديقها الذي وصلها صوته داخل الاسطوانة أن لا تقلقي فيروز كل شيء سيكون بخير دقائق وانتهي وحاول أن يُلهيها قليلا ويؤنسها  فقط كان صديقها, لا بل كان صديقهم ثلاثتهم؛ كانوا ثلاثاً, شاب وفتاتان, فيروز وجدت ضالتها في صديقتها الجديدة ذات العينين الذابلتين, تلك الجميلة... عائشة, فنمت وكبرت صداقتهما في كنف صديق عاشق لصوت فيروز ... خالد,تقابلوا هناك في أول يوم جامعي لهم؛ أحبت فيروز عائشة كثيرا وتعلقت بها جدا فهي كانت وحيدة بلا أخوة, كانت هي فقط وأم ترملت شابة بعد أن أنجبتها. هكذا كانوا فيروز, خالد وعائشة, انهوا دراستهم لطب الأطفال معا .. تفوقوا معا ... واُبتعثوا معا لإنهاء دراستهم العليا في بلاد أخرى ستكون وطنا لهم مدة أربعة أعوام .... خُطِبا , فيروز وخالد وسط فرحة كبيرة لعائشة التي كانت بمثابة الأخت لكليهما.

مابين أم أرملة تصارع المرض وإنهاء دراستها العليا كان على فيروز أن تختار فاختارت أمها بلا تردد فباعدت المسافات بينها وبين خالد إلا أن حبهما كان اقوي من المسافات, كانا عاشقين فعلا, مخلصين جدا لا يمكننا أن ننكر ذلك, ولكن للمسافات قانون ... وللجاذبية قانون ... وللرجال قانون ... وعائشة كان لها قانون أيضا.
بطريقة ما تزوج خالد بعائشة ورزق بطفلة ولم يجرأ أبدا على قول حقيقة الأمر, لم يستطيعا البوح أبدا, لم يقويا على الاعتراف بالخيانة فعلقت فيروز هناك دون أن تعلم بين حبيب خائن وصديقة غدرت بها وضربتها في الصميم

كانت عائشة في كل ليلة تماما مثل ليلة الأمس تستمع لكذب زوجها على خطيبته  وصديقتها دون أن تهتز لها شعرة لخيانتهما لها إلا أنها ملت هذا الوضع وبدأت تفكر فعليا في إخبار فيروز حقيقة الأمر.
ناداها صوت عمر مرة أخرى أن يمكنك الخروج لقد انتهينا ...لم تستطع فيروز أن تتجاهل تغير نبرة صوت عمر ولا القلق الذي بدا واضحا جدا على وجهه فعلمت يقينا ما بها
خرجا سويا من الغرفة واتجها إلي مكتبه جلست قبالته وسألته: كم بقي لي من الوقت يا عمر , أظن أن شكوكي وشكوك كانت بمحلها , أليس كذلك؟
لا تقلقي ستكونين بخير , وسنبدأ اليوم والآن حالا أولى جلسات العلاج الكيميائي
لم تخبرني كم بقي لي .... لا تقلق اخبرني استطيع أن أتحمل ذلك انك تعرفني جيدا يا عمر هيا اخبرني.
سنة أو تقل ... أجابها عمر والحزن يسكن عينيه ولكنه حاول جاهدا إلا يبين لها ذلك بل كان عليه أن يبث الأمل في نفسها فهو طبيب ويعلم جيدا بأن المعجزات تحصل كل يوم وأن الله قادر على شفاؤها
سنة أو تقل ... أو تقل .. أعادت فيروز كلمات عمر وكانت في حالة اضطراب بالغ, وحدثت نفسها خالد أين أنت؟.. وبحركة لا إرادية من يدها أخرجت هاتفها واتصلت به ... رن هاتفه, رنة ... رنتين .... ثلاث رنات..... وأجابها من الجهة الأخرى صوت تعرفه جيدا ... صوت عائشة ... ولكنها لم تستغرب ذلك أبدا ولم يعتريها الشك مطلقا ولم يخطر في بالها أن تسألها لماذا هاتف خالد معك, كانت أختا لها .... وهل تخون الأخت؟
عائشة إني بحاجة إليك ... صديقتي شقيقتي إني بحاجة إليك  فأنا لست بخير ... إلا أن عائشة كانت تفكر في شيء آخر تفكر في استغلال فرصة اتصال فيروز لتخبرها بالخيانة.... أنا وخالد تزوجنا منذ عامين ورزقنا بطفلة أسميناها فيروز تيمنا بك .. إننا نحبك كثيرا وأنت بمثابة الأخت لكلينا,لو ترينها أنها رائعة الجمال وخالد متيم بها جدا.

تهيأ لفيروز إن ذاك الورم الخبيث الضاغط على صدغها الأيمن يتحدث إليها ويسمعها تلك الكلمات فأعادت كلماتها لعائشة: آه يا عائشة إني مريضة أكثر مما كنت أتخيل ...... فأعادت عائشة كلامها أقول لكي تزوجت أنا وخالد ...  أنهت فيروز المكالمة فورا بعد أن ظنت أنها تتهيأ كل ذلك وان ورمها زيف لها كل ما تسمع فقط كانت متأكدة بأن عائشة تسألها قلقة ما بك صديقتي لا تخافي سأكون معك سأخبر خالد وسنأتي اليوم, إلا أن ورمها زيف كلمات عائشة.

عاودت فيروز الاتصال مرة أخرى بعد أن تأكدت من الرقم.... فجاءها صوت عائشة يقينا هذه المرة أرجوكِ ابتعدي عنا لقد تزوجنا, تزوجنا منذ عامين فلا تعاودي الاتصال بنا إكراماً للأيام الخالية , طووووووووووووووط  أغلقت عائشة الخط.

واجمة جلست فيروز تهطل من عينيها دموع غزيرة سألها عمر قلقا فيروز ما بك؟ ماذا جرى؟ ماذا أخبرتك عائشة ؟ هل أصاب خالد مكروه؟ إلا أن فيروز لم تسمع أياً من كلماته تلك ولم تشعر به فقد كانت في حالة أشبه ما تكون بحالة ضياع وغياب تام عن الواقع كانت تتخبط  وسط العدم الذي ابتلعها , ففي لحظة واحدة انهارت حياتها ...
هزها عمر مرات ومرات فيروز ما بك؟ فيروز؟ فيروز؟ إلا أن فيروز قامت وخرجت راكضة تتجه نحو الباب الخارجي وهي تنتحب وتردد تزوجا !!! ...... تزوجا!!! ... خالد وعائشة تزوجا !!!!, حبيبي وأختي قتلاني.
يناديها صوت عمر راكضا ورائها فتحت فيروز الباب واتجهت للشارع  تطاردها كلمات عائشة التي تتردد في رأسها وتضاعف من ألمها....
آآآآآآآآآآآآآآآه , صرخة مدوية أطلقتها فيروز .

............................................................................
............................................................................
............................................................................
............................................................................

من بعيد وأمام المبني المقابل للمركز التجاري أناس يتجمهرون وسط الشارع من ضمنهم رجلان حالتهما مزرية  أحدهما ينتعل حذاءا اصفرا مطاطي اللون يردد وقد اعتراه الخوف بعد أن راعه منظر المرأة الممددة أمامه: لم أراها اقسم لم أراها لقد خرجت أمامي فجأة ولا ادري كيف؟ ولا من أين , حاولت أن أتفاداها ولكنني لم استطع ... لم استطع .... والرجل الآخر الدكتور عمر الذي تلوث زيه الأبيض بلون أحمر قاني , جلس منتحباً بجانب جثة ممدة مهشمة الرأس ... الرأس الذي تبعثرت أجزائه وتناثرت هنا وهناك.  

وفي نفس اللحظة ولكن في الجزء الآخر من الأرض؛سمراء جميلة تعلو وجهها تعابير لا استطيع أن أميز إن كانت تعابير فرح أو حزن, ندم أو أسف , حقاً لا استطيع أن أميز إنما هي تبدو لي كمن يأكل نفسه , جلست وبين يديها طفلة تبلغ من العمر قرابة العامين تبكي بحدة وقد حاولت أمها السمراء جاهدة أن تسكتها ولكن دون جدوى.

عجوز مسنة قلقة ؛بدا الإعياء الشديد واضح على ملامح وجهها السبعيني بيديها اليمنى هاتف تحاول جاهدة ومن خلاله الوصول لأبنتها الوحيدة التي لم يسبق لها عدم الرد على اتصالاتها, ولكنها وبجانبها ودون أن تعلم جلست هناك ابنتها تلك المرأة التي لم تتعدى الثلاثين إلا بسنة أو باثنتين, ابنتها التي انتظرت رجل ما خانها وتزوج بسمراء جميلة كانت بمثابة الأخت لها.
ابنتها؛ فيروزها التي عبثا تحاول أن تُسمع أمها كلماتها تلك التي لن أنساها أبدا:
أمي أنا هنا.... ولكني لا استطيع أن أبقى طويلا, أمي .... اعذريني حان وقت رحيلي ولن استطيع أن أبقى معك كما وعدتك ... أمي ... أمي.