أجابها الآخر, ذلك الرجل المنتعل الحذاء المطاطي أصفر اللون, أجابها : لليمين قُبالة المركز التجاري ستجدين ضالتك سيدتي؛ شكرتهُ وتوجهت حيثُ وُصف لها ولكنها لم تكن تدري ما ينتظرها ولا ما سيحدث بمجرد دخولها هناك , كان لديها شكوك حيال حالتها الصحية ولكنها كانت بحاجة لرأي اختصاصي في ذلك.
وقفت أمام المبنى بقدمان مترددتان ويدان ترتعشان فهنا داخل هذا المبنى ستتقرر حياتها, تمتمت ببعض ما تحفظ من أدعية وصلوات وعقدت العزم ودخلت خلف الباب الرئيسي لتجد نفسها في ردهة واسعة صُفت بها كراسي في ثلاثة صفوف جلست عليها نساءٌ بوجوهٍ مترقبة خائفة ولكنهن مثلها قانعات بواقع حالهن.
توجهت ناحية تلك المبتسمة للجميع؛ تلك التي تمضغ قطعة كبيرة من العلك الأخضر وتتناثر من فمها هنا وهناك كلمات متداخلة وتجوب المكان بعيني صقر يترقب فريسة, وهاأنا الآن أراها تصيح بتلك العاملة ( التقطي تلك الورقة أمامك أحسني عملك هيا بسرعة) ثم عادت تتصنع اللطف بابتسامتها الزائفة تلك لوجه صديقتنا المقتضب وقالت: بماذا أخدمك عزيزتي؟ ألديك موعد؟ فنحن لا نستقبل الحالات إلا بموعد مسبق؛ سأحجز لك موعد بالغد فاليوم جدولنا مزدحم اسمك عزيزتي
لدي موعد بالفعل اليوم لإجراء صورة MRI رقم الحجز: 8
راجعت تلك شاشة الكمبيوتر أمامها بعد أن ضربت على لوحة مفاتيحها ثم قالت ... أجل أنت مريضة الدكتور عمر, تفضلي للغرفة رقم 5 وأنا سأعلم الدكتور بوصولك
صديقتنا امرأة لم تتعدى الثلاثين إلا بسنة أو باثنتين , عزباء عاشقة تنتظر رجل وعدها بأن يعود .... ولكن هل سيعود فعلا؟
وقفت فيروز أمام الغرفة رقم 5 .... طرقت بابها فأجابها صوت بالداخل أن تفضل, ولكنها تجمدت هناك لدقيقة أو اثنتين وشردت بأفكارها إلى ليلة الأمس عندما انتابها ألم فظيع تكرر معها مرات؛ ومرات كثيرة مؤلمة خلال الأشهر القليلة الماضية ولكنه هذه المرة ازداد سوءاً حتى أثر بنغمة صوتها المتهدج فسألها ذاك المتحدث من الطرف الآخر للأرض ذلك الرجل الذي أكملت الليلة سنواتها الثلاث وهي تنتظره, سألها: ما بك فصوتك تغير ... ظنها تبكي شوقا فهون عليها وقال قادم أنا أعدك قادم؛ فقط عام آخر وسنكون معا, كانت إحدى يديه تمسكان بهاتف يحدثها من خلاله ويده الأخرى تداعب شعر سمراء تُداعب وجهه بيديها الملطختين بالخيانة.
أقفلت فيروز سماعة الهاتف بعد أن طمأنت حبيبها أن لا بأس لا تقلق فقط صداع ألم بي, سأنام وسأكون بخير لا تقلق حبيبي, ولكنها يقينا علمت أنها ليست بخير أبدا وعندها استجمعت قواها واتصلت بالدكتور عمر لتخبره أنها قادمة إليه بالغد لتجري الصورة التي طلبها منها.
استفاقت فيروز على صوت الممرضة أمامها بعد أن فتحت الباب الذي طُرق وأجابتها: تفضلي
لدي موعد اليوم لإجراء صورة M .....
فقاطعتها الممرضة قبل أن تكمل كلامها: أجل لقد أُبلغت من الاستعلامات بقدومك, تفضلي
تمالكت فيروز نفسها وتنفست بعمق وأجبرت قدميها على دخول الغرفة ... خلعت ثيابها واستبدلتها بثوب طبي... نزعت عنها قطع حليها .... تمددت داخل تلك الاسطوانة البيضاء , فُتحت الغرفة مرة أخرى ودخل الدكتور عمر صديقها الذي وصلها صوته داخل الاسطوانة أن لا تقلقي فيروز كل شيء سيكون بخير دقائق وانتهي وحاول أن يُلهيها قليلا ويؤنسها فقط كان صديقها, لا بل كان صديقهم ثلاثتهم؛ كانوا ثلاثاً, شاب وفتاتان, فيروز وجدت ضالتها في صديقتها الجديدة ذات العينين الذابلتين, تلك الجميلة... عائشة, فنمت وكبرت صداقتهما في كنف صديق عاشق لصوت فيروز ... خالد,تقابلوا هناك في أول يوم جامعي لهم؛ أحبت فيروز عائشة كثيرا وتعلقت بها جدا فهي كانت وحيدة بلا أخوة, كانت هي فقط وأم ترملت شابة بعد أن أنجبتها. هكذا كانوا فيروز, خالد وعائشة, انهوا دراستهم لطب الأطفال معا .. تفوقوا معا ... واُبتعثوا معا لإنهاء دراستهم العليا في بلاد أخرى ستكون وطنا لهم مدة أربعة أعوام .... خُطِبا , فيروز وخالد وسط فرحة كبيرة لعائشة التي كانت بمثابة الأخت لكليهما.
مابين أم أرملة تصارع المرض وإنهاء دراستها العليا كان على فيروز أن تختار فاختارت أمها بلا تردد فباعدت المسافات بينها وبين خالد إلا أن حبهما كان اقوي من المسافات, كانا عاشقين فعلا, مخلصين جدا لا يمكننا أن ننكر ذلك, ولكن للمسافات قانون ... وللجاذبية قانون ... وللرجال قانون ... وعائشة كان لها قانون أيضا.
بطريقة ما تزوج خالد بعائشة ورزق بطفلة ولم يجرأ أبدا على قول حقيقة الأمر, لم يستطيعا البوح أبدا, لم يقويا على الاعتراف بالخيانة فعلقت فيروز هناك دون أن تعلم بين حبيب خائن وصديقة غدرت بها وضربتها في الصميم
كانت عائشة في كل ليلة تماما مثل ليلة الأمس تستمع لكذب زوجها على خطيبته وصديقتها دون أن تهتز لها شعرة لخيانتهما لها إلا أنها ملت هذا الوضع وبدأت تفكر فعليا في إخبار فيروز حقيقة الأمر.
ناداها صوت عمر مرة أخرى أن يمكنك الخروج لقد انتهينا ...لم تستطع فيروز أن تتجاهل تغير نبرة صوت عمر ولا القلق الذي بدا واضحا جدا على وجهه فعلمت يقينا ما بها
خرجا سويا من الغرفة واتجها إلي مكتبه جلست قبالته وسألته: كم بقي لي من الوقت يا عمر , أظن أن شكوكي وشكوك كانت بمحلها , أليس كذلك؟
لا تقلقي ستكونين بخير , وسنبدأ اليوم والآن حالا أولى جلسات العلاج الكيميائي
لم تخبرني كم بقي لي .... لا تقلق اخبرني استطيع أن أتحمل ذلك انك تعرفني جيدا يا عمر هيا اخبرني.
سنة أو تقل ... أجابها عمر والحزن يسكن عينيه ولكنه حاول جاهدا إلا يبين لها ذلك بل كان عليه أن يبث الأمل في نفسها فهو طبيب ويعلم جيدا بأن المعجزات تحصل كل يوم وأن الله قادر على شفاؤها
سنة أو تقل ... أو تقل .. أعادت فيروز كلمات عمر وكانت في حالة اضطراب بالغ, وحدثت نفسها خالد أين أنت؟.. وبحركة لا إرادية من يدها أخرجت هاتفها واتصلت به ... رن هاتفه, رنة ... رنتين .... ثلاث رنات..... وأجابها من الجهة الأخرى صوت تعرفه جيدا ... صوت عائشة ... ولكنها لم تستغرب ذلك أبدا ولم يعتريها الشك مطلقا ولم يخطر في بالها أن تسألها لماذا هاتف خالد معك, كانت أختا لها .... وهل تخون الأخت؟
عائشة إني بحاجة إليك ... صديقتي شقيقتي إني بحاجة إليك فأنا لست بخير ... إلا أن عائشة كانت تفكر في شيء آخر تفكر في استغلال فرصة اتصال فيروز لتخبرها بالخيانة.... أنا وخالد تزوجنا منذ عامين ورزقنا بطفلة أسميناها فيروز تيمنا بك .. إننا نحبك كثيرا وأنت بمثابة الأخت لكلينا,لو ترينها أنها رائعة الجمال وخالد متيم بها جدا.
تهيأ لفيروز إن ذاك الورم الخبيث الضاغط على صدغها الأيمن يتحدث إليها ويسمعها تلك الكلمات فأعادت كلماتها لعائشة: آه يا عائشة إني مريضة أكثر مما كنت أتخيل ...... فأعادت عائشة كلامها أقول لكي تزوجت أنا وخالد ... أنهت فيروز المكالمة فورا بعد أن ظنت أنها تتهيأ كل ذلك وان ورمها زيف لها كل ما تسمع فقط كانت متأكدة بأن عائشة تسألها قلقة ما بك صديقتي لا تخافي سأكون معك سأخبر خالد وسنأتي اليوم, إلا أن ورمها زيف كلمات عائشة.
عاودت فيروز الاتصال مرة أخرى بعد أن تأكدت من الرقم.... فجاءها صوت عائشة يقينا هذه المرة أرجوكِ ابتعدي عنا لقد تزوجنا, تزوجنا منذ عامين فلا تعاودي الاتصال بنا إكراماً للأيام الخالية , طووووووووووووووط أغلقت عائشة الخط.
واجمة جلست فيروز تهطل من عينيها دموع غزيرة سألها عمر قلقا فيروز ما بك؟ ماذا جرى؟ ماذا أخبرتك عائشة ؟ هل أصاب خالد مكروه؟ إلا أن فيروز لم تسمع أياً من كلماته تلك ولم تشعر به فقد كانت في حالة أشبه ما تكون بحالة ضياع وغياب تام عن الواقع كانت تتخبط وسط العدم الذي ابتلعها , ففي لحظة واحدة انهارت حياتها ...
هزها عمر مرات ومرات فيروز ما بك؟ فيروز؟ فيروز؟ إلا أن فيروز قامت وخرجت راكضة تتجه نحو الباب الخارجي وهي تنتحب وتردد تزوجا !!! ...... تزوجا!!! ... خالد وعائشة تزوجا !!!!, حبيبي وأختي قتلاني.
يناديها صوت عمر راكضا ورائها فتحت فيروز الباب واتجهت للشارع تطاردها كلمات عائشة التي تتردد في رأسها وتضاعف من ألمها....
آآآآآآآآآآآآآآآه , صرخة مدوية أطلقتها فيروز .
............................................................................
............................................................................
............................................................................
............................................................................
من بعيد وأمام المبني المقابل للمركز التجاري أناس يتجمهرون وسط الشارع من ضمنهم رجلان حالتهما مزرية أحدهما ينتعل حذاءا اصفرا مطاطي اللون يردد وقد اعتراه الخوف بعد أن راعه منظر المرأة الممددة أمامه: لم أراها اقسم لم أراها لقد خرجت أمامي فجأة ولا ادري كيف؟ ولا من أين , حاولت أن أتفاداها ولكنني لم استطع ... لم استطع .... والرجل الآخر الدكتور عمر الذي تلوث زيه الأبيض بلون أحمر قاني , جلس منتحباً بجانب جثة ممدة مهشمة الرأس ... الرأس الذي تبعثرت أجزائه وتناثرت هنا وهناك.
وفي نفس اللحظة ولكن في الجزء الآخر من الأرض؛سمراء جميلة تعلو وجهها تعابير لا استطيع أن أميز إن كانت تعابير فرح أو حزن, ندم أو أسف , حقاً لا استطيع أن أميز إنما هي تبدو لي كمن يأكل نفسه , جلست وبين يديها طفلة تبلغ من العمر قرابة العامين تبكي بحدة وقد حاولت أمها السمراء جاهدة أن تسكتها ولكن دون جدوى.
عجوز مسنة قلقة ؛بدا الإعياء الشديد واضح على ملامح وجهها السبعيني بيديها اليمنى هاتف تحاول جاهدة ومن خلاله الوصول لأبنتها الوحيدة التي لم يسبق لها عدم الرد على اتصالاتها, ولكنها وبجانبها ودون أن تعلم جلست هناك ابنتها تلك المرأة التي لم تتعدى الثلاثين إلا بسنة أو باثنتين, ابنتها التي انتظرت رجل ما خانها وتزوج بسمراء جميلة كانت بمثابة الأخت لها.
ابنتها؛ فيروزها التي عبثا تحاول أن تُسمع أمها كلماتها تلك التي لن أنساها أبدا:
أمي أنا هنا.... ولكني لا استطيع أن أبقى طويلا, أمي .... اعذريني حان وقت رحيلي ولن استطيع أن أبقى معك كما وعدتك ... أمي ... أمي.